شعار قسم مدونات

تنظيمُ الدولة الإسْلاميّة يَلْفظُ آخر أنفَاسِه! (1)

blogs-داعش
بعد حوالي أربع سنواتٍ من الانتصارات المُتكررة، وبعد أنْ أصبحت مصدر قلقٍ للقوى الكُبرى في العالم، وبعد التغيير الجيوسياسي الذي أحدثه ميلادٌ مفاجئ. بدأ نجمُ الدولةِ الإسلاميّة المُبشّر بالخلافة الراشدة بالأفول، وبدأ تاريخُ الانتصاراتِ المُتتاليّة بالتحول إلى هزائم مُتعاقبة، وبدأ دُعاة الخلافةِ الإسلاميّة بالهروب والنكُوص والتنّكُر لمُعتقداتهم. وذلكَ إثر خِطابِ الوداع لأمير الدولةِ الإسلاميّة بالعراق والشام أبي بكرٍ البغدادي في 28 فبراير/شُباط، الذي وجههُ لأنصارهِ في المناطق التي يُسيطرُون عليها، مُقراً بهزيمة التنظيم في المعارك الأخيرة، وداعياً مُتعاطفي التنظيم إلى التخفي والفرار إلى المناطق الجبليّة.

فكيف بعد هذا النسق المُتسارع من الانتصارات، يسقط التنظيمُ سقوطاً مدوياً من دون سابق إذنٍ أو إنذار؟ 
يرجعُ سُقوطُ تنظيم الدولةِ الإسلاميّة أوّلاً إلى عوامِل ذاتيّة طبيعيّة في كُل تنظيم جهادي على مرّ التاريخ، وعوامل خارجيّةٍ مُتغيرةً حسب المرحلة، لعبت فيها الدوّل الكُبرى في الساحةِ اليوم دوراً بارزاً في رسم معالمها، وتحديد وجهتها. وهُنا سنتناولُ بعض العوَامل الذاتيّة التي تسببتْ في سُقوط تنظيم الدولة الإسلاميّة.

قبل الخوض في نقد الهيكلة الجهاديّة، أو المنهج عموماً؛ لا بُدّ من الإحاطةُ الكاملةُ، بأدبياتِ التنظيمات الجهاديّة، والمراجع الفكريّة والعقديّةُ، طبعاً دون الوقوفِ على المراجع المعلومة للعموم (مثل الإمام ابن تيميّة وعُلماء الحركة النجديّة) بل لا بُدّ من بحثٍ دقيقٍ حول أبرز المُرتكّزات الفكريّة لهذه التنظيمات.

فالناظِرُ اليوم وبعد حوالي قرنٍ كاملٍ من ظهورِ التنظيماتِ الجهادية الحديثة في العالمِ الإسلامي يُلاحظ أنّها أخذتْ في التآكُل شيئًا فشيئًا من الداخل بمرور الزمن وذلك على مُستوى تحريفِ الأدبياتِ المُعتمدّة كمرجعٍ لبناء المعمار الفكري للعقل الجهادي، أو الانشقاقِ والتمرّد. فلا تجدُ باحثاً في الجماعاتِ القتاليّةِ إلاّ ويربطُ ظهور تنظيمٍ مُعينٍ بسقوطِ تنظيمٍ آخر، فلا يكادُ يولدُ حراكٌ جهادي تنظيمي، إلاّ وتربطُه صلةٌ وثيقةٌ بسقوطِ آخر، سواءً سقوطا كُلّيا أو اضمحلالا هيكليّا، مِثالُ ذلك ظهورُ تنظيم الدولةِ الإسلاميّة بقوة على الساحةِ في بلادِ الشامِ وتأثيرهُ في العالمِ ارتبط آلياً بسقوط تنظيم القاعدةِ (معنوياً)، فالسيكولوجيا الجهاديّة تبحثُ دائماً على التغيير التنظيميّ، والعقلُ الجهاديّ يميلُ دائماً إلى القوة الشبابيّة الصاعدة، الأكثر نشاطاً وتطرفاً، والمزاجُ الجهاديّ لا يُحبذُ الاستمراريةَ.

التسلسلُ في سُلّم التنظيمات الجهاديّة، دليل على أنّ أمل الحياة عند الولادة لأي تنظيم ضئيلٌ جداً، وعوامل كثيرة تؤدي ضرورةً إلى سُقوط التنظيم سريعاً.

فميلادُ أوّل تنظيمٍ قتالي مُعاصرٍ سنة 1940 المُسمى بــ"جماعةِ شبابِ مُحمدٍ" كانَ بانشقاقِ مجموعةً من عناصرِ جماعةِ الإخوان المُسلمين، وذلكَ كَردةِ فعلٍ لجُملةٍ من التساهُلاتِ الشرعيّة وفق رؤيتهم، والتي وجدوها في جماعةِ الإخوان، وبالتَحديدِ مسألة النهج السياسي المُتصالَح مع الأنظمة التي تحكُمُ بغير ما أنزلَ الله. وفق ما ذكَرَهُ د.محمد توفيق في دراسة "الجماعاتِ القتاليّة المُعَاصرة". فكمَا هو الحالُ معَ ميلاد "جماعة شباب محمد" بانشقاق مجموعةٍ من جماعة الإخوان المسلمين، كذلك نجد أغلب التنظيماتِ الجهاديّة الأخرى، فهذا يتأسسُ على أنقاضِ ذاك.

فبينَ جماعة شباب مُحمد وتنظيم الدولةِ الإسلاميّة في العراق والشام، عشراتٌ من التنظيمات الجهاديّة التي تأسستْ وسقطتْ، كُلُّ تنظيمٍ يأتي ليتشرّبَ من الآخر بعض أفكاره ومرجعياته، ويغلو فيها أكثر ومن ذلك الحراك المُسلح الذي قاده نبيل البرعي سنة 1958 ثمّ تنظيم الفنية العسكريّة بقيادة صالح سريّة، وصولاً إلى نُقطةٍ فاصلةٍ في تاريخ الحركات الجهاديّة سنة 1977 وذلك بميلاد تنظيم "جماعة المُسلمين" أو ما يُعرفُ إعلامياً بجماعة التكفير والهجرة بقيادة شُكري أحمد مُصطفى، والذي انتهى بإعدامه سنة 1978. وُصولاً إلى الجهاد الأفغاني وتنظيم القاعدة سنة 1998، ومنه إلى تنظيم الدولة الإسلاميّة.

فهذا التسلسلُ في سُلّم التنظيمات الجهاديّة، دليل على أنّ أمل الحياة عند الولادة لأي تنظيم ضئيلٌ جداً، فالتآكُل الداخلي، والاختلالُ الهيكلي، إضافةً إلى الاختراق الخارجي، والضعف الفكري والعقدي، وضعف الوازع الديني، كُلُّ هذه العوامل الداخليّة تؤدي ضرورةً إلى سُقوط التنظيم سريعاً، والذي يُؤدي سقوطه إلى بروز تنظيمٍ آخر على أنقاضِه، مُستفيداً من تجربته، ومُستقطباً لمُريديه، فكما كان سُقوط التنظيمات المذكورةِ أعلاه للأسباب التي تطرقنا إليها، تقريباً نفس الأسباب هي التي أدت إلى سُقوط تنظيم الدولة. فالتآكُل الداخليّ سمة من سمات التنظيمات الجهاديّة على مرّ التاريخ وذلك وفق استقراءٍ واسعٍ شمل جُّل التنظيمات القتاليّة المُعاصرة.

من غير المُستبعد اليوم ولادةُ تنظيمٍ جهادي أكثر تشدُداً وتَطرفاً من تنظيم الدولة داعش، وذلك وفق مبدأ الاستمراريّة الجهاديّة. فقد يتأسس تنظيمٌ جديدٌ على أنقاض سابقه.

ناهيكَ أنّ التركيبة اللامتجانسة للشبابِ المُكوِّن للتنظيم والتي لم يُراع فيها الحدُّ الأدنى من العلم بالأمور الشرعيّة وحتى الالتزام بالتعاليم الدينيّة، كانَ سبباً في توليد صراعٍ داخلي انتهى بأزمةٍ هيكليّة انتهت بسقوط التنظيم. فغيابُ الشروط الموضوعيّة في اختيار قادةِ البلاد وأهل الريادة، جعل السُلطة في خطر، بالإضافةً إلى الخطابات التجنيديّة التي لازمت عمليّة الاستقطاب فقط، ولم تتواصل فيما بعد لمزيد من التنشيط العقلي وإنارة الألباب، إنّما تمّ إخمادُها والعملُ فقط في المجال العسكري والسياسي. فالخواء الفكري يُعّدُ عاملاً داخلياً فائق الأهميّة ساهم في سقوط تنظيم الدولة.

كُلُّ هذا الضعف الفكري والعلمي عند أبناءِ تنظيم الدوّلة الإسلاميّة، والحماس الفائض بين سنة 2012 و2014، بالإضافةً إلى المُفارقة الهائلة بين المنشود والموجود، وبين المأمول والحقيقة، جعَل عملية الانشقاق ملاذ جميع هؤلاء الأعضاء، وهو ما يؤكدُه التقرير البريطاني الذي أصدره مركز دراسات التطرف في كلية كينغز التابعة لجامعة لندن، والذي نُشر في 21 سبتمبر/ أيلول 2015، حيثُ جاء فيه أنّ عددا متزايدا من المنشقين عن تنظيم الدولة الإسلامية يتحدثون علنا عن قرارهم التخلي عن التنظيم والعودة إلى بلدانهم.

فعدد المُنشقين يتزايدُ يوماً بعد يوم، وهو أضعف التنظيم كثيراً من حيثُ الطاقة البشريّة. فالخلَلُ الفكري والسيكولوجي عند أبناء التنظيم، علاوةً على استنزاف هذه الطاقة البشريّة جعَل التنظيم يفرغ شيئاً فشيئاً ويتقهقر من الداخل لتكون نهايتُه السقوط، كما لاحظنا. ومن غير المُستبعد اليوم ولادةُ تنظيمٍ جهادي أكثر تشدُداً وتَطرفاً من تنظيم الدولة (داعش) في المُستقبل وذلك وفق مبدأ الاستمراريّة الجهاديّة. فقد يتأسس تنظيمٌ جديدٌ على أنقاض سابقه، يستفيدُ من خبراته على المُستوى الاتصالي والعسكري.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.