البُعبع المسمى دولار

blogs - دولارات
يعيش السودان تدهوراً اقتصادياً مريعاً حكم على مواطنيه العيش في معاناة كبيرة من شظف العيش وضيق الحال والغلاء الطاحن مصحوباً بتردٍ كبيرٍ في الخدمات الأساسية التي يحتاجها كل فرد من ماء وكهرباء وصحة وتعليم وغيرها، كما ضعفت قيمة العملة المحلية مقارنة بالأجنبية ووصلت مستويات قياسية حتى أصبحت عبارة "الدولار زاد" مثل القول المأثور الذي يتردد بين الفينة والأخرى يبرر به كثيرون زيادة سعر سلعة ما ويتقبل بسماعها المواطن المسكين ما يحدث بتحسر وصمت تام ولكن، لماذا نتدهور ولماذا يزيد الدولار؟
 
الأمر معقد بعض الشيء، ولكن السبب الرئيسي سياسي قبل أن يكون اقتصاديا، يتمثل في غياب الإرادة السياسية التي تحكم التوجه العام للدولة في المسارين الاستراتيجي والتنفيذي، ويمكننا ببساطة تلخيص الإجابة في أن السبب المباشر لزيادة الدولار هو اختلال الميزان التجاري وزيادة حجم الواردات مقابل الصادرات، الأمر الذي يجعلنا نحتاج للدولار في كل تعاملاتنا لأنه وببساطة أغلب – إن لم تكن كل – معاملاتنا اليومية تتطلب توفر الدولار!

فإذا كنا نستورد الحليب والجبن والحلويات والبسكويت والملابس والأحذية والأثاثات والستائر وأقلام الرصاص والمناديل الورقية فكيف لا نحتاج للدولار؟ إذن وبما أننا نحتاج للعملة الأجنبية لاستيراد كل هذه الأشياء والتي كلما زادت أصنافها تزيد هذه الحوجة، وبما أن هذه العملة الأجنبية موجودة في الخارج، فإن السبيل الوحيد للحصول عليها هو بيع منتجاتنا وتصديرها كحل أساسي للمشكلة، بالإضافة إلى خفض تلك الأصناف التي نستوردها للحد الأدنى لتقليل حوجتنا لذلك البعبع المسمى دولارا كحل مصاحب لا يقل أهمية عن الحل الأساسي.

بما أن من لا يملك قوته لا يملك قراره، فإن من يسلّم اقتصاده لمضاربي الدولار  العالميين والمحليين  وذئاب تجارة العملة لا ريب سيندم ولكن بعد السقوط في هاوية التلاشي والهلاك.

لتتحقق مثل تلك الحلول لا بد من توفر الإرادة السياسية والتخطيط السليم، لأن الموارد والمقومات الكافية لنهضة اقتصادية وصناعية كبرى موجودة في هذا البلد بوفرة كبيرة تجعل من الممكن تحول السودان – في بضع سنين – إلى واحد من أكبر المصدرين وليس المستوردين، فمن المؤسف جداً أن يكون لنا مثل هذا البلد العظيم ويقوم اقتصادنا على الودائع والإعانات والهبات!
 
إن ما يؤسف له أن سياسة الدولة التنفيذية والقائمين عليها ترتكز في المقام الأول على الإعلاء من شأن الاستيراد بما يحققه من مصالح آنية لعصبة محدودة العدد تملك المال والنفوذ ولا تأبه في سبيل تحقيق ذلك حتى إن استمرت معاناة الشعب أو تفاقمت أو حتى إذا سقط الوطن بكامله في براثن الضياع، غافلة أو متغافلة عن حقيقة واضحة مفادها أن المشكلة الاقتصادية التي نعيشها من الخطورة بمكان، وهي أكبر مهدد لأمن الدولة وكينونتها التي لن تحتمل مزيداً من التدهور الاقتصادي.
 

فإذا علمنا أن احتياطي النقد الأجنبي لدولة مثل المملكة العربية السعودية 616.4 مليار دولار، يكفيها لسد احتياجاتها من الواردات والسلع والخدمات لمدة 44 شهراً، ولدولة قطر 36.7 مليار ويكفيها لمدة 12 شهرا، ولدولة المغرب 23 مليار دولار، ويكفيها لمدة ثمانية أشهر، ولدولة الإمارات 93 مليار دولار يكفيها لمدة 6.5 أشهر، ولدولة مصر 16.44 مليار دولار ويكفيها لمدة 3.4 أشهر، يصبح السؤال المشروع كم هو احتياطي السودان من النقد الأجنبي وكم (يوماً) سيكفي؟!
 
إن أي أمة في عالمنا الحديث تتمحور عقليتها الاقتصادية على الاستيراد ويختل ميزانها التجاري لصالح الوارد على حساب الصادر، إنما تخاطر بوجودها وتكون عرضة للفناء، وبما أن من لا يملك قوته لا يملك قراره، فإن من يسلّم اقتصاده لمضاربي الدولار – العالميين والمحليين – وذئاب تجارة العملة لا ريب سيندم ولكن بعد السقوط في هاوية التلاشي والهلاك.