مدرسة الفاروق

ليس العيب في تغليف مجتمع محافظ بنظام ينهل من الدين في القيم التي تؤطره، فلنا في دولة الفاروق نموذجا رائدا في التوافقات التي تسوق نظاما يبنى على الهدف الأسمى "التوافق منهاجا والعدل صماما للاستقرار" لم يحتج عمر حينها للمؤسسات في شقيها التنظيمي و الهندسي لكي يبلغ ذاك القدرة من النجاح، وإنما حرص على مضمونها وتزكية روحها، نجح عمر ومن معه في محاربة الريع، والتسيب والاغتناء بالجاه والسلطان.


لم يكن مبلغه من المجد مستطاعا لو لم يقرن المسؤولية بالمحاسبة، فكان ولاته وأقرباءه و ذووه من نالوا القسط الأوفر من المتابعة والتمحيص و التفحيص، كان عمر وفيا لروح مجتمعه، ذوب الفوارق فوصل صيت عدله كل الأمصار، لم يكن لدى عمر مجلسا عموديا، بل كان يناقش أدق التفاصيل وأحرجها أمام الملأ، فينصت للأمي والفصيح والحليم، ليكرس بذلك مبدأ الوضوح في سياساته، وتوسيع دائرة المشاركة بها.


في كل حادثة أو معضلة، يعالج الأمر في شموليته وأبعاده، ففي القحط يرسخ سياسة التكافل والتعاضد، وموازنته في صناديق الدولة تتبنى الاستثمار في رأسماله البشري الحقيقي، "الطبقة الفقيرة" يخيل للآخرين أن النص كان يلجمه، لكن فطنته كانت تجعل من النص ذاك الموروث الذي لا محيد عنه، ففيه الوازع والإجماع والترصص، فيه يتمترس وعي جماعي بنفس الهم ونفس القضية "تخليق المجتمع".


حينما ترفع هذه التيارات مشروعها الإصلاحي، وجب لها أن تتأكد من موقعها في الحكم وقدرتها على تبني الحد الأدنى من مضامين حكم الفاروق قبل أن تتبنى ذاك في حملاتها الانتخابية، لأن نسق عمر في حكمه ممانع، ومقاوم لكل أشكال الخضوع والانهزامية والتبعية.

سطر الفاروق مراحل دولته بحذر كبير، تحصين الدولة من الداخل، وهنا حرص بنفسه على إلغاء الامتيازات، محاربة الفساد وسن سياسته الجبائية لا يستثني فيها جهة كيفما كان نسبها، ورعه جعله يستوصي في الفقراء خيرا، فخاف على مجتمعه من ارتفاع نسب الفقر وما يترتب عن ذلك من اختلالات في بنية نظامه، تقشف وكان رضي الله والناس عنه أول مثال يقدم للناس، فتجرد من علاقة الحاكم الجدلية بالمال والشطط في الحكم، حاض عمر أوراش البناء، واستثمر في بيت المال بأبدع البدائل.. ولم يكن له أن يغفل أمرا تافها كالغش في الأسواق، كان الهدف منه أن يذكر بلاد المسلمين في عناوين حكمه، محاربة الغش والفساد في مفهومهما الشموليين.


كي تستمر الدولة، فهم عمر أن الاعتماد على التحصين الداخلي للمكتسبات لا يمكن أن يمكث طويلا في ظل الأخطار التي تتهدد تجربته، متلازمة الفرس و السلم الداخلي، أنداك وافق عمر على تركيز جهوده تجاه ترميم صفوفه العسكرية والإمضاء على مرحلة هامة في تاريخ الدولة، قد يبدو انتحارا خوض المعركة ضد الجيش المهيب للفرس لكن ما يبدو أكثر منه الإجهاز على الروم في أرض الشام، غايته من هذا كان التهيؤ لمجتمع يقفز نوعيا من قبليته إلى الكونية.


توسع الدولة قاده عمر فيديراليا، كان كل جهده منصبا على تحقيق العدل في كل الأمصار في أبسط جزئياته، ومن أجل ذلك طور وسائل التواصل عبر المراسيم والدواوين، فكان الجوهر "عمل والتزام شرف" يربطه بأجهزته، ولعل رسالته الشهيرة في القضاء التي بعث بها إلى أبي موسى الأشعري لمن أكمل الدرر المعتمدة في المجال القانوني وأقدم ما ثبت للبشرية عن سعي حاكم لاستقلال القضاء.


ارتباطه بالمدينة كحاضنة للحكم أنداك كانت له رمزيته، فقد اعتبره تجسيدا للهوية، وصلة الماضي بالحاضر، استند عمر إلى الاستعانة بالتزام مجتمعه لتقويم كل اعوجاج، حارب الترف في كل تجلياته، وكان عدله أساس كل نجاحاته.. 
نموذج عصي على كل التيارات الإسلامية الطامحة إلى الحكم، أن تنسج بعضا مما أتى به الفاروق في حكمه، لأن هذه التيارات مازالت تترنح في خطها السياسي وتبعيتها للداعمين، وتقبل التطبيع مع البؤر الفاسدة.


حينما ترفع هذه التيارات مشروعها الإصلاحي، وجب لها أن تتأكد من موقعها في الحكم وقدرتها على تبني الحد الأدنى من مضامين حكم الفاروق قبل أن تتبنى ذاك في حملاتها الانتخابية، لأن نسق عمر في حكمه ممانع، ومقاوم لكل أشكال الخضوع والانهزامية والتبعية.

"رضي الله عنك يا عمر"



حول هذه القصة

كتب الخليفة عمر بن الخطاب لأهل إيلياء (القدس) عندما فتحها المسلمون عام 638هـ كتابا أمنهم فيه على كنائسهم وممتلكاتهم، واشترط ألا يسكن أحد من اليهود معهم في المدينة. وقد اعتبرت العهدة العمرية واحدة من أهم الوثائق في تاريخ القدس وفلسطين.

3/10/2004

كتب الخليفة عمر بن الخطاب لأهل إيلياء (القدس) عندما فتحها المسلمون عام 638هـ كتابا أمنهم فيه على كنائسهم وممتلكاتهم، واشترط ألا يسكن أحد من اليهود معهم في المدينة.

30/3/2011

الفاروق أحد أقدم المساجد التي شيدت في محافظة الأنبار، ويرجع تاريخ بنائه إلى عهد الخليفة عمر بن الخطاب، ويقع في ناحية البغدادي المطلة على نهر الفرات.

28/2/2015
المزيد من المدونات
الأكثر قراءة