في مسألة وجود الخالق

(1)
إن أخطر لحظتين في الفكر الإنساني هما لحظتي اكتشاف انفصال الواقع عن العقل وانفصال اللغة عن الواقع. ففي اللحظة الأولى أدرك الفكر الإنساني أن الواقع لا يشتغل وفقا لقوانين العقل الإنساني بالضرورة. فقوانين العقل تحكم العقل، ولكن لا سلطان لها على الواقع الموضوعي. فعندما يقول العقل يجب/يُمكن/يستحيل فهو يتكلّم عن قوانينه الخاصة، عن الوجوب/الإمكان/الاستحالة بالنسبة للعقل وليس بالنسبة للعالم أو الواقع، إذ ليس هناك ما يجبر الواقع على الخضوع لقوانين (أو لسلطة) العقل.
 

في اللحظة الثانية أدرك الفكر البشري أنه حين يستخدم الكلمات فهو قد يشير إلى مفاهيم موجودة في الذهن لا في الواقع الخارجي، وأنه ليس هناك تطابُق أو تماثُل بين الكلمات والجُمَل والعلاقات الواقعية المحسوسة التي تعبِّر عنها، أو ليس هناك تطابق بين بنية العالم الواقعي وبنية اللغة.

على الرغم من أن الواقع الحقيقي -بالمعنى النسبي لهذه الكلمة- يظل افتراضا عقليّا في النهاية، أي هو ليس شيئا موجودا فيما وراء الحس والعقل، بل هو معطى عقلي، فرضية. إلا أن هذا لا يجعل الواقع الحقيقي/الافتراضي خاضعا لقوانين العقل. بعبارة أخرى، الطريقة التي يفكِّر بها البشر ليست بالضرورة هي قوانين الطبيعة، وذلك بغض النظر عمّا إذا كانت الطبيعة تملك وجودا موضوعيا خارج الذهن الإنساني أو هي في النهاية مجرد فكرة. فحتى لو كانت الطبيعة و"الوجود بأسره" مجرد فكرة، تظل هناك قوانين للعقل وقوانين أُخرى لهذه الفكرة/ للطبيعة، وأن قوانين العقل لا تحكُم الطبيعة، بل هي ربما جزءٌ لا يتجزأ منها.

عندما نقول "خلق" فإن الكون لا يفهم هذه الكلمة، أو عندما نقول "وجود"، أو "موجود" فإننا نتكلَّم عن خاصيّة متعلقة بوعينا الخاص، وليس بالعالم الخارجي.

إن استقلال قوانين الطبيعة عن العقل الإنساني يعني أن الإجابة الصحيحة- بالمعنى الواقعي كلمة صحيح- للأسئلة المتعلقة بالعالم تُوجد في العالم نفسه وليس في عقل الإنسان. وهذا يجعل جميع النظريّات العقلية بشأن العالم بحاجة إلى التجربة حتى تكتسب الصِدقيّة الواقعية، أي تصبح نظريّات صحيحة -بالمعنى العلمي القابل باستمرار للمراجعة والنقد. ويعني أيضا أن الاجابة الصحيحة للأسئلة التي يطرحها العقل بشأن العالم يُمكن أن تكون مخالفة للعقل (أي للطريقة التي نفكِّر بها نحن البشر) وغير مكترثة لبعض مسلمات وبديهيات هذا العقل. إذ ليس هناك ما يجبر الطبيعة على التصرُّف بشكل عقلاني أو معقول. وذلك على الرغم من إمكانية فهم الطبيعة وقوانينها بواسطة العقل الإنساني. تلك الإمكانية التي أدت إلى قيام العلوم الطبيعية.

(2)
وبالنسبة للُّغة فهي لا توجد في الواقع بمعزل عن الإنسان، والمعنى هو دائما شيء ينتمي إلى الإنسان، شيءٌ يوجد في الوعي الإنساني وليس في الواقع الخارجي. فالكلمات لا تحلينا إلى العالم الخارجي وانما إلى الداخل، إلى وعينا وفكرنا الخاص.

عندما نفكِّر في كلمات مثل "خلق"، "سبب"، "بداية" "وجود" فإن معانيها هي جزء من وعينا، أو بتعبير أدق جزء من تجربتنا الواعية. والتي هي في النهاية محدودة وجوديّا بحدود الإنسان وتجربته. وإذا اختفى الإنسان تختفي هذه المعاني وكل المعاني والمفاهيم الأُخرى. فمن أين إذاً تستمد هذه المفاهيم مشروعية انطباقها أنطولوجيا على الوجود خارج حدود الإنسان؟

إن السؤال عن انطباق المفاهيم على الوجود خارج حدود الإنسان ليس المقصود به الوجود المطلق المفارق للحس والعقل، المفارق للوعي الإنساني، إذ لا طائل وراء التفكير في شيء ما وراء الوعي، وإنما المقصود هو الوُجود كما هو معطى في الوعي، والذي على الرغم من ذلك ليس هناك ما يجبره على أن يخضع للعقل وللُّغة. إن الذي يخضع لقوانين العقل هو الأفكار، والذي يخضع لقواعد اللغة هو الكلمات، والوجود بما أنه ليس أفكاراً ولا كلمات فهو مستقل عن العقل وعن اللغة. لا فرق إن كُنا نعتقد بوجود شيء خارج حدود الإنسان، أو أن الإنسان هو كل الوجود على اعتبار أن الوجود هو في النهاية فكرة أو تصوُّر. فداخل هذا التصوُّر هُناك إنسان بعقله وفكره وهُناك عالم حِسِّي منفصل عن فكر الإنسان ولغته.

لتوضيح الفكرة لنتخيل أن هناك كائنات أخرى تملك لغة وكلمات لوصف وتفسير العالم كما تراه من منظورها الخاص، فإن معاني هذه الكلمات تُوجد في وعي تلك الكائنات، ولكنها لا تعني شيئا بالنسبة للإنسان، ولا يبدو العالم من وجهة نظر الإنسان مجبرا على الخضوع لهذه المعاني.

مثال آخر، كلمة "الشروق". نحن البشر نستخدم هذه الكلمة لوصف ظاهرة معروفة للجميع. وإذا افترضنا أن الشمس تملك وعيا، فإنها لن تفهم الشروق، فهي لا تعرف هذه الظاهرة لأنها لا تعيش على كوكب الأرض.

كذلك عندما نقول "خلق" فإن الكون لا يفهم هذه الكلمة، أو عندما نقول "وجود"، أو "موجود" فإننا نتكلَّم عن خاصيّة متعلقة بوعينا الخاص، وليس بالعالم الخارجي. في مقال بعنوان "الوجود كوعي" تطرقت إلى أن مفهوم "الوجود" نفسه لا يشير إلى شيء خارج الوعي الإنساني.

إذا لم نكُن نحن كُلّ شيء، فإننا يجب أن نكون جزءاً من كُل، هكذا تقضي قوانين العقل. وإذا كُنا جزءاً من كُل، فإن مفاهيمنا هي أيضا جزءٌ من كُل، أي هي شيءٌ يُمكن أن يتحدد بحدود، وإذا كانت كذلك فهي لا يُمكنها أن تتطابق مع الكُل. مثلا مفهوم "خلق" هو شيء يُوجد في وعينا، شيءٌ محدود، وهو بالتالي لا يُمكن أن يتطابق مع الكون كشيء مستقل عن هذه الكلمة وهذا المفهوم. فمثلما أن كلمة "شروق" هي كلمة إنسانية أرضية، لا معنى لها خارج حدود الأرض، كذلك كلمة "خلق" هي كلمة إنسانية تنتمي إلى الوعي الإنساني، ولا معنى لها خارج هذا الوعي.

بالنسبة للأشياء المحسوسة، أي التي تقع في نطاق حواسنا، مثل لوحة المفاتيح التي أكتب بها الآن، ألمسها بأصابعي، لا أستطيع أن أتجاوزها إلى شيء آخر تمثله أو تشير إليه. فهي لا تشير، كمعطى حسي بالنسبة لي، إلا إلى نفسها، وإن فكرت فيها ذهنيّا فلن أتجاوز فكرتها إلى شيء أكثر من فكرة أو أفكار أُخرى جديدة. كذلك الأفكار والمعاني التي تُوجد في الوعي والتي ألمسها بعقلي لا يمكنني أن أتخطاها إلى شيء آخر تمثله أو تشير إليه.

لنحاول أن نتخيّل ما الذي يوجد في وعينا عندما نفكِّر في كلمة "خلق". سيكون هُناك معنى لا يُمكننا تخطيه إلى الشيء الواقعي الذي نفترض أنه يمثِّله، فالمعنى هو النهاية. فكل ما نملكه هو كلمة ومعنى، ولا شيء أكثر من ذلك. نفس الأمر ينطبق على كلمة "الوجود"، عندما نفكِّر فيها، سيكون هُناك معنى لها في وعينا. ولكننا لا نستطيع أن نتخطى هذا المعنى، إلى "الوجود" كشيء واقعي.

(3)
إن قضية "وجود الخالق" كقضية فلسفية تنتمي إلى ذلك الزمن الذي يتصوَّر فيه الإنسان اللُّغة على أنها كونيّة. فكلمة "وجود"، وفقا لهذا التصوُّر، لها معنى كوني واحد يسري حتى على "الخالق" نفسه، كما أن كلمة خالق نفسها، وفقا لهذا التصوُّر، هي كلمة كونية لها دلالتها الكونية الثابتة بمعزل عن الإنسان.

عجز اللغة وعجز العقل قد يولِّدان شعورا دينيّا. وحيث تتوقف الفلسفة قد يبدأ الإيمان.

في حين أن كلمة وجود لا تصلح حتى لوصف الوعي الإنساني، " إن مفهوم الوجود الذي نحكم بواسطته على الوعي هو ليس شيئاً مستقلاً، أي هو غير موضوعي وذاتي ولا يشير لشيء خارج الوعي. وإذا كان ذلك كذلك، فما معنى أن نقول إن الوعي موجود أو غير موجود؟ أي إذا كانت كلمة "وجود" نفسها تشير إلى شيء ما داخل الوعي، إلى مفهوم أو صورة. فكيف يُمكن للوعي أن يتحدد بواسطة شيء داخل الوعي نفسه" – مقال الوجود كوعي. وكلمة "خالق" كذلك هي كلمة تستمد معناها ودلالتها من التجربة الإنسانية، أي تتعلق بمعنى ينتمي إلى التجربة المحدودة للإنسان بحدود وجوده في هذا العالم. كذلك كيف يُمكن للكون (أو "الوجود") أن يتحدد بواسطة كلمة هي جزءٌ من الكون.

تفترض هذه القضية أيضا كونيّة وإطلاق العقل، على اعتبار "الوجود" بأسره خاضع لقوانين وشروط العقل الإنساني. وهي نتيجة طبيعية للخطأ المتعلِّق باللغة. فإذا كانت اللغة هي الكون والوجود، فمن الطبيعي أن يكون هذا الوجود خاضعا لأحكام العقل، لأنه وجود لغوي وعقلي لا-واقعي.

لقد وضعت في هذه الفقرة كلمتي الوجود والخالق بين مزدوجين، لأنني استخدمتهما في سياق التصوُّر الكوني للغة والكلمات للعقل، والذي أنتقده هنا.

إن الكوني هو الكون نفسه، وليس العقل أو اللغة، ولكي تستطيع اللغة التعبير عن الكون بشكل مطابق لحقيقته، يجب أن يكون الكون هو كلمات اللغة نفسها، وليس شيئا أكثر من ذلك. ولكي يستطيع العقل أن يستوعبه يجب أن يكون الكون فكرةً في العقل. ولكن الواقع -كما يبدو- هو العكس تماما، فكلٌ من اللغة والعقل الإنساني جزءٌ ضئيلٌ من الكون ومن "الوجود".

وبالنسبة للخالق فإن عجز اللغة وعجز العقل قد يولِّدان شعورا دينيّا. وحيث تتوقف الفلسفة قد يبدأ الإيمان. هنا يبدأ البحث -غير المعرفي- عن الحقيقة.



حول هذه القصة

المزيد من المدونات
الأكثر قراءة