عرب أيدول ومشاريع التدجين

يعود تاريخ القضية الفلسطينية إلى أكثر من 118 عامًا، وخلال هذه المدة ظهرت الكثير من القضايا واختفت إلا القضية الفلسطينية حافظت على حضورها رغم كل محاولات إلغائها عبر المشاريع المختلفة، إلا أن هذه المشاريع انهارت واحدة تلو الأخرى وذلك بفضل الله أولًا ثم بصمود الشعب الفلسطيني وتمسكه بحقوقه وثوابته ودفاعه عنها.
 

وحين تيقن الأعداء بأن فكرة إلغاء القضية الفلسطينية تمامًا هي فكرةٌ مستحيلة صار التوجه إلى تمييعها وتدجين أهلها، وبتر همتهم وإشغالهم في الأمور الحياتية بعيدًا عن الأمور الوطنية والمصيرية، فبدل الهم العام ينشغل الأفراد في همومهم الذاتية البحتة بعيدًا عن أي دور تحرري.

قد تصيبنا الأهازيج الوطنية بالنشوة والحمية وما شابه لكنها ستكون حالة كذابة دون الفعل المقاوم.

وقد نجح الاحتلال ومن يتساوقون أو "ينسقون معه" في تحقيق خطوات واضحةٍ نحو ذلك، فلم نعد نرى على سبيل المثال داخل قيادات المؤسسة الأمنية التابعة للسلطة نماذج مثل نموذج أحمد مفرج أو يوسف ريحان، بل على العكس أصبحت دوريات الاحتلال تصول وتجول وتعربد، تعتقل وتقتل داخل القرى والمدن الفلسطينية بالضفة المحتلة دون أدنى رد رسمي، وكأن البندقية الرسمية الفلسطينية عقمت ولا أظنها كذلك لكن هناك من يعمل على إجهاض كل روح حرة لكن هيهات أن ينجحوا حتى النهاية.

لا شك أن القضية الفلسطينية تمر في واحدةٍ من أخطر وأدق مراحلها في ظل اشتداد وتيرة الاستيطان وابتلاع الأراضي الفلسطينية بشكلٍ غير مسبوق منذ عقود، مع صعود الحديث عن أطروحات هدم عشرات آلاف المنازل بالداخل الفلسطيني المحتل وإلغاء الوجود الفلسطيني بالضفة المحتلة ومعظم المناطق سوى من دولة مفترضة تحدث عنها وزير صهيوني تكون في سيناء وغزة.

نحن أمام مشروع تصفية للقضية وتدجينٍ لشعبها، ويشارك في هذا التدجين كل مسؤول في السلطة يقوم بتكريم المغنيين والمغنيات والاحتفاء بهم ويشارك في منصات إنجازاتهم المفرغة بينما يحارب كل رصاصة ومقاوم يقف في وجه الاحتلال أو يفكر في ذلك، كما فعلوا خلال الفترة الماضية مع الشهيد باسل الأعرج الذي اعتقل وتعذب في سجونهم قبل أن يغتاله الاحتلال.

في مقابل ذلك لا أستطيع إنكار دور الأنشودة الوطنية الفلسطينية في رفع الوعي بالقضية وحقوق شعبنا، وحتى رفع معنويات المقاتلين لكن إذا ما تم تمييع القضية باعتبار الأغنية إنجاز لا مجرد رافعة فهنا تكون المشكلة، فالله يمنح الناس الأصوات كما يمنحهم الجمال ولم تقترن في يوم من الأيام خيرية الإنسان بذلك بل خيريته بمدى نفعه للناس.

بمعنى آخر لا نريد من الأنشودة أو الأغنية حتى لو كانت ملتزمة بالقضية الفلسطينية، أن تحل محل القضية في وعي الناس ويسرق الحديث عنها حديثهم عن فلسطين وما تعيشه من نكبةٍ صامتة في هذه الأيام، لأنني ألحظ بأنهم يسخرون القضية الفلسطينية واسم فلسطين لدعم الأغنية والمغني لا العكس، فهم حتى في كلماتهم لا يقدمون شيئًا جديدًا بل يؤكدون على أشياء معروفة للاستحواذ على عواطف الناس واهتمامهم.

لست ضد الفرح ولا إسعاد الناس لكن ضد تضليلهم واستغفالهم وإلهائهم عن واقعهم الصعب الذي يعيشونه في ظل وجود الاحتلال ومشاريعه، لأنهم لاشك عاجلًا أو آجلًا إن استمرت الملهاة دون صحوة سوف يتيقظون على ما هو أقسى بكثير، كما أنني ضد التعصب الأعمى حتى للأشياء الجيدة فما بالك حين أرى تعصب الناس للأشخاص لهيئاتهم وأصواتهم فقط أو ما شابه أو لجنسياتهم فترى التنابذ والتباغض.

البعض سيتهمنا بالمبالغة نتيجة ما سبق دون أن ينتبه للمبالغات التي يقع فيها الجميع، فلا يمكن أن يتقدم الصوت الجميل على الفعل المقاوم النبيل مع أننا بحاجة إلى الاثنين لكن الأول مرتبط بالآخر ولا قيمة له ولا لفنه ولا لصوته دونه، فنحن تعودنا الاحتفاء والغناء للبطل لكن لا نجعل المغني بطلًا لأن قيمته تذوب بدون الآخر ويصبح دوره هزليًا بلا معنى ولا قيمة أو تأثير يخاطب العواطف ويداعب المشاعر لفترة ثم تغفو.

ثمة أسئلة أخرى حول هذه الرموز التي يرغبون في تصديرها لتكون في طليعة الشعب الفلسطيني، والتي لن نرى قيمتها الحقيقية إلا في مدى استعدادها للتضحية في مجال هذه القضية التي استخدموا أو استخدمت شركات وقنوات البث والدعاية اسمها النظيف لترويج سلعتها، ليست لدينا مشكلة مع شخوصهم لكن المشكلة في هذه الهالة التي تعمل بعض الجهات على تصديرها للوعي الفلسطيني.

لا أدري حين يقصفنا الاحتلال ونرد عليه بأغنية فهل سيتوقف القصف؟ أو هل يصاب الاحتلال بجرح؟ هل يصاب بالهلع؟ قد تصيبنا الأهازيج الوطنية بالنشوة والحمية وما شابه لكنها ستكون حالة كذابة دون الفعل المقاوم، ولا شك أن السيناريو الحالي من زاوية أخرى رغم العيوب التي ذكرتها أفضل من أن تكون هذه البرامج بعيدة عن القضايا الوطنية لكن ربما لو ابتعدت لن تصل إلى الجمهور المستهدف تمييعه ولن تستطيع استقطابه، خصوصًا إذا ما نظرنا إلى جهات الإنتاج وكيفية تعاطيها العام مع القضية وسياستها التحريرية تجاهها، ويكفي للتشكيك بها وبأهدافها أن تصف شهداء فلسطين بالقتلى والمقاومة بالإرهاب والعنف.

لا أعرف إن كان سيصل بنا الانحدار في يوم من الأيام إلى أن نجعل الراقصة رمزًا وطنيًا إذا ما وضعت على خاصرتها ما يرمز إلى فلسطين.

المؤلم في هذا أننا نجد عشرات الملايين من العرب والمسلمين يصوتون لفوز المشاركين بدعوى حبهم واهتمامهم بفلسطين، بينما فلسطين ذاتها لا أحد يهتم بها فعليًا بالمقارنة مع ذلك، ولك أن تتخيل بأنه بينما يصوت الملايين لهذا المحبوب المفترض من أجل فلسطين لا نجد إلا العشرات يهتمون بالأبطال الحقيقيين كالأسرى ومنهم الأسير نائل البرغوثي أقدم أسير سياسي في العالم والذي أعاد الاحتلال اعتقاله ظلمًا قبل أسابيع، وهذا البطل الذي أمضى أكثر من ٣٦ عاما في سجون الاحتلال يحمل قضيتنا ويدفع ثمن حبه لها هو البطل الحقيقي الذي يستحق حبنا واهتمامنا.

قد لا تكون المشكلة في الناس بقدر ما هي في المنظومات التي خلقت عندهم مثل هذا الوعي أو تحاول ترسيخه، ونحن هنا نكتب لنحاربه حتى لا يكون أمرًا واقعًا أو حتى على الأقل لنعذر أنفسنا ولو قليلًا أننا وقفنا في وجه الانحدار.

لا أعرف إن كان سيصل بنا الانحدار في يوم من الأيام إلى أن نجعل الراقصة رمزًا وطنيًا إذا ما وضعت على خاصرتها ما يرمز إلى فلسطين.

لا يمكن في أي حال من الأحوال أن يطغى أي بريق على بريق الفدائي، على بريق عياش وأمثاله، لن يغلب هذا البريق في وجداننا أي بريق لا بريق السياسي ولا الدبلوماسي ولا الغنائي ولا أي شيء، لا شيء يغلب ذلك حتى نتغلب على الاحتلال.



حول هذه القصة

ثارت حالة من السخط بمواقع التواصل الاجتماعي عقب اعتقال قوات الأمن المصرية لفريق الغناء الساخر “أطفال شوارع” بعد نشرهم مجموعة من المقاطع المصورة تسخر من الواقع السياسي والاجتماعي.

12/5/2016

أقامت فرقة “دواوين” الفلسطينية حفلا فنيا أمام البوابة الفلسطينية لمعبر بيت حانون شمالي قطاع غزة، احتجاجا على منع سلطات الاحتلال أعضاء الفرقة من السفر لمدينة القدس للمشاركة بمهرجان فلسطين الدولي.

7/8/2016

قفزت فرقة “كورال الموسيقى” إلى سطح النجومية في السودان، وانتقلت من حيز الأكاديمية الصرفة في قاعات الدرس بكلية الموسيقى والدراما إلى فضاء الجماهيرية والغناء أمام الآلاف في المسارح والميادين.

10/5/2016

بالعباية والكوفية الفلسطينية وقف يونان قمصية (80 عاما) على خشبة قصر رام الله الثقافي ليغني “بيت ساحور بيت ساحور طلع الصهيوني مقهور”، بينما أطلقت رفيقته في الغناء حفيظة مصلح الزغاريد.

31/3/2016
المزيد من المدونات
الأكثر قراءة