سقراطون إلى الأمام

المبدع ياسر العظمة، قدّم في إحدى أعماله لوحة رائعة حفرت في ذاكرتي منذ سنوات طويلة.. لوحة (سقراطون إلى الأمام).. كانت تتحدث عن قريةٍ طريفة، يميز أهلها أنهم يمشون (بالعكس)؛ أي للخلف كانت طريقة مشيهم مضحكة، مثيرة للاستهجان، ومؤلمة.. نعم مؤلمة ومنافية للطبيعة البشرية..

وربما أدرك أحد شبان هذه القرية، أن ما يفعلونه مخجل ومخزٍ أمام القرى الأخرى، وأنهم يجب أن يمشوا كما الأناس الطبيعيين، إلى الأمام!

فقرر أن يغير ما بنفسه وما بقومه، ودعاهم إلى مقاومة ما اعتادوا عليه، وحاول أن يقنعهم بشتى الطرق أن ما يفعلونه أمر منافٍ للطبيعة ويخالف جميع البشر، ثم أخبرهم أنه أول من سيقوم بتغيير طريقة مشيه.. لكنهم هاجموه ووبّخوه على محاولاته بكسر تلك القوانين التي شبّوا وشابوا عليها، وكانت نتيجة إلحاحه أن حُكِم عليه بالإقصاء من القرية، فلن يكون هناك مكان بينهم لمن لا يحترم تراثهم أو يحاول أن يغيّره.. الجميل في موقفه أن إقصاءه لم يوهن عزيمته، بل زاده إصراراً على التغيير، وازداد قناعة بما فعل وبما يجب أن يفعل.. وبدأ يحاول بصعوبة التأقلم على طريقة المشي الجديدة.

كانت لوحة مضحكة جداً بالنسبة إلي، كنت أظنها فكرة ابتُكِرت لأجل إضحاك الناس والترفيه عنهم فقط.. لكنني حين كبرت، علمت أنني ما كان يجب أن أضحك البتّة.. وفهمت جيداً أن تلك اللوحة الساخرة ما هي إلا تصوير لواقع مرير نعيشه.. واقعنا المتمثل في التراجع دائماً، والتخلف عن كل من يمضون أمامنا، ومقت التغيير ومحاربته، والإصرار على الخطأ والجهل وإضاعة البصيرة. علمت بعد سنوات طويلة  ما هي الرسالة التي كان يسعى ياسر العظمة إيصالها لنا من خلال تلك اللوحة، وعلمت أننا كنا طوال هذا الوقت نمارس مشياً أكثر إيلاماً من ذلك الذي عرض على الشاشة.

كم أنت حزين أستاذي، أكنت تعلم أن كل من شاهد لوحتك سيضحك كثيراً ثم يقفل شاشة التلفاز ويتابع حياته  كتلك القرية الحمقاء؟ كم لوحة يا ترى من لوحاتك تشبهها؟

كنت طفلة، لكنني كبرت الآن وفهمت، وأردت أن أغيّر وأتغيّر.. لكن يبقى السؤال هنا: هل سيكون مصيري كمصير ذلك الشاب الذي طُرِد من قريته وقوبل بالرفض والتوبيخ والسخرية؟ وإن كان، فماذا سيكون ذنبي الذي أنتظر عقوبته قبل أن أقدم عليه؟

وماذا عن كل الذين وصلتهم رسالة ياسر العظمة قبل أن تصلني؟ لماذا لم نشهد تغييراً حتى الآن؟ أنا أمتلك الجواب: إن أوّل ما نحتاج إلى تغييره في أنفسنا، هو تلك العادة القبيحة التي لازمتنا مذ كنا أجنة في بطون أمهاتنا، عادتنا في الإنصات والانبهار بكل ما نسمع ونرى، ثم نلقي بكل ما سمعناه ورأيناه في أقرب سلة مهملات نمر بها!

ياسر العظمة لم يكن مضحكاً، ياسر كان ساخراً، ماذا عليّ أن أشعر وأنا أعلم أننا نضحك لأننا سخرية العالم الآخر التي لا تموت؟ وماذا كان شعور ياسر حين أجبرناه على السخرية منا بتلك الصورة؟ كم أنت حزين أستاذي، أكنت تعلم أن كل من شاهد لوحتك سيضحك كثيراً وسيتغنى بجمال أفكارك وغرابتها، ثم يقفل شاشة التلفاز ويتابع حياته تماماً، كتلك القرية الحمقاء؟ كم لوحة من لوحاتك تشبهها؟ وكم رسالة حاولت أن توصلها، لكنّ مفعولها انتهى مع نهاية الحلقة؟

ما دمنا نبحث عن التغيير حولنا، فإننا حتماً لن نجده.. لأننا لن نراه إلا في مرآتنا، حين ننظر بعمق إلى دواخلنا، هناك يستوطن حقاً التغيير الذي نبحث عنه.. فالإصلاح لا يبدأ من أعلى الشجرة ثم ينحدر إلى الأسفل! إنما ينمو تدريجياً، تماماً كما تنمو البذرة الصغيرة.. فردٌ، فأسرة، فمجتمع.. فأمة بأكملها..

سأقدم على ذلك التغيير، سأسير إلى الأمام ليس بقدمي، ولكن بعقلي وفكري، ولن أخاف العقاب أو العواقب، وإن حوربت فسأحارب، إنها معركتي الأولى، ولن يكون هناك أحد بالنصر مني أوْلى.



حول هذه القصة

وجهت وكالة التحقيقات الهندية المعنية بمكافحة الإرهاب استدعاء للداعية ذاكر نائيك للمثول أمامها يوم 14 مارس/آذار الجاري للتحقيق معه في قضايا تتهمه بها تحت طائلة قانون مكافحة الإرهاب.

8/3/2017

كثيرون يتقلبون في فُرشهم طوال ساعات في المساء محدقين في المنبه دون نوم، وربما يؤدي الخوف من قلة النعاس إلى الأرق ذاته، إذ لا يمكن للمرء النوم بالإكراه.

8/3/2017

أصبح القرنبيط الخضار المحبب لأصحاب المطاعم من لوس أنجلوس إلى باريس، حتى إن هذه المطاعم أحيانا ما تخرج بقوائم طعام مرتكزة بالكامل عليه.

8/3/2017
المزيد من المدونات
الأكثر قراءة