ثورةٌ أم جهاد؟

الفكرُ العربي مولعٌ باختلاق الثنائيات وتصويرها على أنها متضادة، ومغرمٌ بإدارة الصراعات حولها بين قائلٍ باتصالها ومنادٍ بانفصالها، ونَدرَ أن تجد من يسعى لاهثاً للتوفيق بينها… كَثُر السؤال: هل تصنف معركة الشعب السوري على أنها ثورة أم جهاد؟ التساؤلُ المشروعُ هنا هو تساؤلٌ حول الأفكار والقيم، بعيداً عن سلوكيات ومناهج الفصائل المقاتلة، وسأستخدم مصطلح المقاتل شاملاً به من يُسمَّون إسلاميين أو ثوريين من حملة السلاح…

ثورة أم جهاد ما نحن فيه؟
هل حقاً علينا أن نجيب على السؤال باختيار إحدى المفردتين؟ هل كان علينا حقاً أن نرضي مراهقتنا الفكرية التي تتحمس لإلقاء الأحكام المفعمة بالقطعية والتسرع وغياب التحليل والتجريد لنُعفيَ عقولنا من العمل وربط المقدمات بالنتائج؟ في الحقيقة ليس علينا أيٌّ من ذلك.  بالحديث عن الثورة ومفهومها وشعاراتها؛ لا أضيفُ جديداً إن قلتُ أن ما فعله النبي صلى الله عليه وسلم وصحابته عام البعثة هو ثورة بكل ما حملته الكلمة من معنى التغيير الجذري، هي ثورة مفاهيمية، وانقلاب على العديد من مغلوطات المفاهيم، كمفهوم العار الملازم لمن لا يَئِدُ ابنته، هي ثورة عقائدية وانقلاب على عقيدة يستحيل فيها البشر -خليفةُ الله في عمارةِ الأرض- عبداً لصنم من تمرٍ يصنعُه في النهار ويعبده في الليل، ويلتهمه في لحظة جوع.

التغييرُ في مفهوم الثورات يعني استئصال القيم البالية لا ترقيعَها، فلا معنى لثورةٍ غيرت اسمَ الاستبدادِ أو ملامحَ المستبدِ، ولا معنى لثورةٍ غيرت اسمَ العمالة للأجنبي أو غيرت الجهةَ الأجنبية.

هي ثورةٌ أخلاقيةٌ وخروجٌ على غلوّ العرب في الكرم حدّ الإسراف، وفي النصرة حد العصبية العمياء. إذن فالبعثة النبوية كانت ثورةً وانقلاباً وتغييراً جذرياً لواقع الجاهلية، ثورةً قادها محمدُ النبي ورفع شعارها باسم الحرية (خلُّوا بيني وبين قومي). ولا يغيب عمن قرأ التاريخ ما كابده النبي وأصحابه إثناءً لهم عن إكمال مسيرتهم؛ فالثائرُ على دين أجداده الصابئُ عن معتقداتهم، الكافرُ بمعبودهم ما لبث أن لاقى من أهله هجراً، ومن قومه قهراً، ومن سيّده أسراً، حتى إن بعضهم اغترب حتى في بيته وفراشه! أفلا يحتاج الثائر آنذاك لصبرٍ وتحملٍ وبذلِ جهدٍ ومشقةٍ وكفاحٍ في سبيل استكمالِ المسيرة الدعوية؟ ألا يبدو لنا أن ذلك الصبر المغمَّسَ بالفقر والدماء جهاداً؟!

أليس الثائرُ على الجاهلية ومفاهيمها، والصابئُ عن الوثنية وعقيدتها مجاهداً؟ ألا يجدر بنا أن نعترفَ بأن الثورة والجهاد مفهومين متلازمين؟ ألا يفتقر معظم المجاهدين اليوم إلى منظومةٍ قيمية ترشدهم إلى الطريق، بوصلةٍ توجه بندقيتهم وتسددُ من ضلَّ الطريقَ وتثبِّتُ من رَشَد؟ آن الأوان لبعض المراجعة والإقرار بأن الثورة والجهاد مفهومين متلازمين لا معنى لأحدهما دون الآخر. آن لنا أن ندرك أن البندقية قد تقتل عدواً، لكنها لن تبني دولة ولن تؤسس حضارةً مالم تُوجَّه بفكرةٍ وغاية، وأن الثورة التي تجردت من حاضنتها الشعبية وترعرعت بعيداً عن جماهيرها لا تعدو كونها تمرداً أجوفا ما يلبث أن يتلاشى في مهبِّ الريح.

إنَّ أيَّ تغيير يجب أن يكون جذرياً منطلِقاً من أعمقِ نقطةٍ في المنظومةِ القيميةِ، والتغييرُ في مفهوم الثورات يعني استئصال القيم البالية لا ترقيعَها، ولا تغييرَ أشكالها وبقاءَ إِشكالها! فلا معنى لثورةٍ غيرت اسمَ الاستبدادِ أو ملامحَ المستبدِ، ولا معنى لثورةٍ غيرت اسمَ العمالة للأجنبي أو غيرت الجهةَ الأجنبية.
وأما ما ارتبط بمصطلحِ الثورةِ من مفاهيمَ تؤججُ نار التضادِّ بين المنقسمين كالسلميةِ المُفرطة واللاعنف المطلق؛ فتلك أخطاءٌ وَجَبَ إزالةُ لوثها، وأما ارتباط الثورة بمؤتمرات ومفاوضات في ما وراء البحار؛ فذلك شأن يضبطه فقه الواقع السياسي، وفيه اجتهادٌ قد يقاربُ الصوابَ أو يجانبُه، والخلافُ فيه معتبرٌ وليس هنا محطُّ تفصيله.

الفكرُ العربي مولعٌ باختلاق الثنائيات وتصويرها على أنها متضادة، ومغرمٌ بإدارة الصراعات حولها بين قائلٍ باتصالها ومنادٍ بانفصالها، ونَدرَ أن تجد من يسعى لاهثاً للتوفيق بينها.

وأما تحميل الجهاد السوري والثورة الشعبية مغبَّةَ الشعاراتِ المثقلةِ التي تنادي بتحرير القدس وفتح روما فهو أمر يجب إعادة النظر فيه؛ فالثورات تستمد قوتها من عدالة قضيتها وتقتات على مصداقية خطابها، ومن الأهمية بمكان التذكير بأنَّ الخطابَ الثوري الأفقي المتناسب مع فهم الجماهير وتطلعاتهم يُكسب الثورةَ تأييداً، ويُمَكِّنُ ارتكازها في محور بوصلتها، فتَرشُدُ اتجاهاً ولا تضلُّ طريقاً، وهذا هو السر وراء قدرة الثورات الشعبية الناجحة على هزيمة الأنظمة الشموليةِ رغم رسوخها وقوتها.

ولا كدر يعكر سلامة المنهج أكثر من تسرُّباتٍ فكريةٍ تنعكسُ سلوكاً يَلِجُ حيّزَ التطبيق قبل أن يَطَأَ دائرةَ البحث والتقييم والمراجعة؛ فقد أقبل المثقفون وأدعياء الثقافة على القيم الثورية الغربية، وراحوا ينهلون منها بحسنها وقبيحها، بطيبها وخبيثها كإقبال الفراش على السراج دون مبالاة بخطر الاحتراق.

 وانكبَّ الشباب المتعطش للخطاب الإسلامي بعدَ قمعٍ دام سنواتٍ وسنوات، انكبَّ على كتب الجهاد الأفغاني سواء منها المؤصل فقهياً أو المفتقر للتأصيل، محاولاً أن يستنبتَ بذور الفكر الجهاديِّ الأفغانيِّ في التربة السورية مهملاً فارِقَ العقلية الشعبية، والظروف المؤثرة والبيئة المحيطة، متناسياً كليَّة الخصوصيات الفاصلة بين واقع الحلول وواقع المشكلات؛ فكانت النتيجة فَشَلَ العملِ وهَدرَ المالِ وإزهاقَ الأرواحِ وتشظيَ المجتمعِ بين من يرى الخلاص في التحصُّنِ بالذات وبين من يراه في التماهي مع الآخر، وكأنه لا رمادية بين الأسود والأبيض يمكن اللجوء إليها بحسب مقتضى الحال. وعودة على ذي بدء: ثورة أم جهاد ما نحن فيه؟



حول هذه القصة

المزيد من المدونات
الأكثر قراءة