الغاية تبرر الوسيلة لدى الشعوب المستكينة

انتشر خبر إلقاء القبض على ميكافيلي كانتشار النار في الهشيم، وبدأ بائعو الصحف في الشوارع وعلى المقاهي يصيحون اقرأ إلقاء القبض على ميكافلي، وكان حديث الناس الأهم والأوحد في ذاك اليوم وما تلاه من أيام، أنه سيحاكم وسيأخذ جزاء ما اقترفته كتاباته.

وفي اليوم المعلوم للمحاكمة غصت المحكمة بالجمهور ليروا هذا الزنديق الذي يدعى ميكافيلي، وعم الصخب قاعة المحكمة، يتهامسون، ويعلقون، ويتشمتون، ويشتمون، دقائق معدودة فيأتي رجال الأمن بميكافيلي مكبلا، وفي قفص الاتهام يدخلونه، علت جلبة الناس ناقمين يسبون ويسببون من الضجيج والفوضى، قليلا فإذا بالباب يفتح يدخل القاضي ومستشاروه مع صوت الحاجب، يقول وبصوت عال "محكمة".

يهمّ الناس بالوقوف ويعم أرض القاعة السكون، بعد أن أخذت الهيئة القضائية مكانها، يقول القاضي لوكيل النيابة اتلُ مجريات القضية، فقام وكيل النائب العام وتلا ما قام به هذا الشرير، وأثر كتاباته في تغير التاريخ، الذي ما كان ليكون لولا نظرياته، حيث إنه بفعله هذا حرض على الاستبداد، وعلى إهانة وتعذيب العباد، بل أعطى جواز مرور، وعذرا غير مقبول، إلى كل مستبدي الأرض، وخارطة لوصول هؤلاء المستبدين إلى الحكم، منذ ما يربو عن خمسة قرون إلى وقتنا المعهود، وإذ نعدد لن نحصي من طبقوا هذه النظريات المسمومة؛ والنصائح الملغومة.

لقد أصبح الاستبداد سمة كثيرين عبر العصور المتعاقبة، ولم تقتصر على الحكام، بل الأفدح أنه أخذ به كثير من المتنفذين، في سبيل أن يصلوا، إلى مراتب أعلى بكثير مما يستحقون، وعليه تطالب النيابة بعقوبة الإعدام في حق هذا المجرم الخوان.

أصبح ميكافيلي شماعة لشعوب تعلق عليها أخطاءها، وتعد تهاونها، وتخاذلها، وخضوعها، وخنوعها، وتنازلها، بل وتعاونها مع المستبدين وسيلة.

– القاضي: ليتفضل محامي المتهم فلا يتقدم أحد!
– القاضي: أين محاميك يا ميكافيلي؟
– ميكافيلي: أنا محامي نفسي ولا أريد أن يدافع عني أحد. 
– القاضي: هل صحيح ما تلا في لائحة الاتهام من قبل وكيل النائب العام؟

– ميكافيلي:
سيدي القاضي إنكم تحاكمونني على أخطاء لم أقترفها، وعلى مبادئ لم آخذ بها، وعلى نظريات لم أطبقها، هل من يبدي فكرا ما يعتبر مجرما ويعدم؟ّ! هل تحجمون العقل! هل تحجرون الفكر؟ سيدي القاضي إني نفيت وأُبعدت وكانت الكتابة هي هوايتي الوحيدة؛ وسلواي الفريدة، أنا إن كنت أؤمن بهذه النظريات حقاً كان الأجدر أن أطبقها على نفسي، ولم يكن هذا حالي مبعد منبوذ من قبل السلطة، وأنا الأمير ابن الحسب والنسب، لقد كانت كتاباتي سبيلي الوحيد للعودة من هذا الطريق، واستعادة شيء مما كنت أحظى به من مكانة في بلاط الحكم.

لقد كنت أوهم السلطة أن هذا الطريق الأمثل، للإيقاع بها في شرك الشعب، حيث كنت أراهن على الشعوب الأبية أنها لن تقبل بالدنية، وأن هذا الاستبداد آني وليس بباقي، وأن الشعوب لا تلين ولن تستكين حيال هذه الرياح الهوجاء، والتصرفات الرعناء، والأساليب الملتوية، والخطوات التعسفية، في طريق الممارسات الإجرامية، لدى الحكومات الاستبدادية، ولكن ما حصل أن الشعوب هي من فرطت في حريتها، وهي من خنعت أمام تهورها، وهي من أعانتهم على هذا الاستبداد، بتقبلهم إفراغ اجندتهم؛ وتمييع قضيتهم؛ ونسيان حقوقهم.

سيدي القاضي كم في العالم من أخذ ويأخذ وسيأخذ بأفكاري، معتقداتي، نظرياتي وهو لم يقرأني، لسبب بسيط أن طريق الشر واحد، وأصحاب الشر لا يحتاجون؛ ولا يعولون على ميكافيلي حتى يطبقوا ما أتيت به، لأنها فكرة شيطانية، تحرك الفطرة الشر، لدى النفس البشرية.

الغاية تبرر الوسيلة لدى الشعوب المستكينة… لقد أصبح ميكافيلي شماعة لشعوب تعلق عليها أخطاءها، وتعد تهاونها، وتخاذلها، وخضوعها، وخنوعها، وتنازلها، بل وتعاونها مع المستبدين "وسيلة"، فتدور هذه الشعوب في حلقة مفرغة غير مستقرة ولا مبررة، باستكانتها وتقبلها إهانتها، ولا تميل لا يسارا ولا يمينا، وعلى النهج الأعوج الذي وضعه المستبد تسير، في سبيل أن يتقوا شره ويتحاشون ضره ولو حظوا بالمذلة، "وغايتها" فقط أن تعيش على فضلات الفاسدين؛ وفتات المستبدين

القاضي: يحول ميكافيلي إلى الطبابة النفسية لبيان سلامة قواه العقلية.. رفعت الجلسة.



حول هذه القصة

رغم أن اسمه يرد دائما مقرونا بكتابه “الأمير” وبمبدأ “الغاية تبرر الوسيلة”، يبدو أن نيكولو ميكافيلي (1469-1527) فكر أيضا في الكيفية التي تتيح للمواطنين أن يتعرفوا على القادة العظماء.

13/5/2016
المزيد من المدونات
الأكثر قراءة