أزمة الأمة الحضارية

إن الأمة الإسلامية اليوم تمر بأحلك أزماتها عبر تاريخ نضالها الطويل، وما ذاك إلا لأنها فقدت ما كانت تمتلكه منذ قيامها من بنيان مرصوص ورصيد حضاري في أسسها الفكرية وأطرها الأخلاقية مما أهلها للحفاظ على هويتها ومقاومة أعدائها عبر مختلف مراحل الصراع الذين لم يكونوا يمتلكون مثل ما امتلكت من مقدرات حضارية تتجاوز حدود القوة العسكرية والقدرات المادية.

أما اليوم فإن النظام العالمي الحالي الذي نشأ أوروبياً قدم لنفسه خلال أكثر من أربعة قرون أطراً فلسفية وأدوات معرفية ونظماً قيمية ومؤسسات بقدر الوعي الأوروبي في شتى مجالات الحياة، ثم تمخضت الولادة الأوروبية عن نظام عالمي حد الحدود ورسم خرائط العالم ضمن أطر سياسية شكلت العالم من جديد ومهدت لقيام العولمة التي أتاحت الفرصة لأن يتصل العالم ببعضه البعض في مؤشر يدل على تصاعد فرص التنميط الحضاري لدول العالم في جهات الكوكب الأربعة و يشي بإمكانية إنشاء عالم ذات قيم واحدة تستند أحكامها من الدرس الأوروبي في رؤية العالم اليوم.
 

وهذه المثاقفة الأوروبية في العالم الإسلامي بدأت أول ما بدأت في أواخر القرن الثامن عشر واستمرت عبر أكثر من قرنين من الزمان فهزت بنيان الأمة الإسلامية وأوشكت على نقض أركانها، فالأمة الإسلامية اليوم في تحد حضاري على درجة من الشدة لم تعهده قبلاً مما أفقدها ثقتها بذاتها وبمناهجها.
 

لا بد لنا من فهم الدرس الأوروبي فهماً قويماً إن كنا نرغب في أن يكون لنا موقع في العالم، وكذلك فإن جحد المكتسبات التي حققتها الحضارة الغربية خطأ لا يماثله خطأ.

هذا الجهل بالذات والذي يشكل جوهراً للحالة القائمة اليوم جعل الأمة تفقد بوصلتها وتخطأ موضع سهامها، فكل المشاريع السياسية والنهضوية على تعددها لم تصل إلى ما يبعث روح الأمة من غفلتها، فالمشاريع الإسلامية سواء تلك التي تتبنى المرجعية الإسلامية كاملة لم تتجاوز في فهمها الشكل إلى المضمون إذ غابت في صور الاختلاف دون جوهره.

أما تلك المشاريع التي تبنت فهما حداثياً سواء كاملاً أو مجتزأ مختزلاً في بعض الوسائل والأدوات هي الأخرى أخفقت في بلورة أرضية صلبة بفهم أبعاد التجربة الحداثية، وكأننا إزاء رؤيتين تفتقدان إلى المضمون الواعي وتقتصران على بعث الأشكال في صور من تاريخ الأمة الإسلامية أو من حاضر الغير.

فالانتماء الذي يبديه الكثير للحضارة الإسلامية يظهر وكأنه نستولوجيا وحنين أكثر من كونه إيماناً حقيقياً بروح الفكر الإسلامي وبعد مراميه كم هو الحال فإن المعارضة التي يبديها المعارضون للنموذج القائم لم تتشكل على بنى راسخة وصلبة بل هي مجرد تصورات قاصرة عن الحضارة الغربية وأسسها المتنوعة فيما يغيب عنها أسس النقد القويم.

إن الحضارة الغربية أنجزت مكتسبات إنسانية مهمة في مواضيع شتى شكلت عالمنا الذي نعيش بكنفه اليوم، إلا أن هناك من الخلل والعيوب والإشكاليات ما يحتاج معه العالم والأمة الإسلامية اليوم إلى عمل وجهد عظيمين لبلورة نموذج نقدي حضاري قادر على تجاوز الحضارة الغربية وعثراتها القائمة اليوم بما فيه الخير للإنسان في كل بقاع المعمورة.

لا بد لنا من فهم الدرس الأوروبي فهماً قويماً والاستفادة منه إن كنا نرغب في أن يكون لنا موقع في عالم يبدو أنه يمر الآن بظروف استثنائية ستشكل مستقبله، وكذلك فإن جحد المكتسبات التي حققتها الحضارة الغربية على جميع المستويات سواء المادية منها أو الفكرية أو القيمية جهل بتراكم الخبرات الإنسانية ومسيرة الحضارات الكونية وهو خطأ لا يماثله خطأ إلا القول بأن الرؤية الإسلامية في واقعها اليوم تشكل بديلاً حضارياً حقيقياً للنموذج الغربي.



حول هذه القصة

دعا فقهاء وأكاديميون مشاركون بندوة تطور العلوم الفقهية الـ12 بالعاصمة العُمانية مسقط إلى ضرورة تطوير فقه المواطنة ليتواكب مع متغيرات تطلعات الأمة الاسلامية، مستعرضين سبل تحقيق ذلك.

7/4/2013

التحولات التي تشهدها الصين بدأت تفرز حياة ترنو لتقليد الثقافة الغربية، خاصة لدى الأغنياء وشريحة الشباب، فلا يخفي بعضهم الشعور بالخجل لعدم معرفته بقواعد “الإتيكيت” الغربي والتصرف في المناسبات العامة.

11/7/2016

بثت قناة الشابة السورية ولاء موصلي عبر موقع يوتيوب حلقة جديدة تستنجد فيها بـ”المربية عروبة” لتثبيت الثقافة العربية عند ابنها حمزة الذي جرفته الثقافة الغربية وغيرت شكله ولغته.

29/7/2016

سياسي وإداري ومؤرخ، لعب أدوارا قيادية بالدولة العثمانية، ولد ببلغاريا، وكان واليا على حلب ثم وزيرا للعدل، دعا إلى الاستفادة من النظم العسكرية والإدارية الغربية بما يناسب أصول وثقافة المسلمين.

12/12/2016
المزيد من المدونات
الأكثر قراءة