في الخليل.. خيطٌ بين الصبر والكفر

مدينة الخليل
تراكماتٌ فوق بعضها البعض، ضغوطاتٌ واحدة تلو الأخرى، سنواتٌ، وذكرياتٌ جميلة، والكثير منها تعيسة، مسؤوليات، ومناوشات، واستفزازات ضغوط عمل، بيئة فاسدة، رفقاء درب خائنون، ومنتفعون، جيرانٌ عمرٍ غرباء، وإن كانوا بضع أمتار عن عتبة البيت، ومجتمعٌ مزيف بوجهٍ حسن أمام مادياتٍ بشعة، ولهثٌ مستمر نحو التحصيل، كل هذا وذاك، جزءٌ من أجزاء أكبر، وأروع أمام روح الغضب اللامتناهية في أطوار الحياة المعاصرة، والتقلبات الراهنة.

عند الحوارات، وفي تقبل الآراء، فهذا أمرٌ معدوم بتاتاً، فالكل هو المسؤول، والمسيطر الوحيد، والرأس الأكبر مهما كان، وثقافة التنازلات، والتخلي عن أمرٍ منعاً للمشاكل لا يمكن حدوث ذلك بتاتاً.

ليس من الطبيعي أن يتحدث شخصٌ عاقل في داخل المجتمع الفلسطيني، وتحديداً في بوتقة مدينة الخليل ومحافظاتها عن ذهابه لطبيبٍ نفسيٍ للتخلص من آثارٍ، وتبعاتٍ، وضغوطات قد مسخته من إنسانيته، وحولته لكائنٍ متوحش، خشيةً من نعته بالمجنون، أو بالمريض النفسي. غياب نقطة التفكير، أو ذرة التفكر في معالجة الضغوطات، وفهمها دفعت بمزيدٍ من السلبيات، وكثيرٍ من الإشكاليات التي ستخلق في القريب العاجل مزيداً من الجرائم، وقليلاً من الترابط الاجتماعي، والأسري، والمزيد من القساوة في القلوب، والمناوشات العائلية، والقلة في العمل، وحب الانتاجية.

لا شك بأن الكثيرين قد فهموا الحل، ولجؤا لتحطيم أثاثهم، وأدواتهم المطبخية، وصعدوا لأعالي الجبال صارخين بأعلى أصواتهم، أو متجهين للشرهة في الطعام أو ما شابه ذلك، كل هذا واجبٌ تنفيذه،في ظل تخلفٍ في عملية فهم الطب النفسي، وفاعليته في توعية الناس قبل أن تخلق أجيالٌ محطمة، وغير قادرة على تجاوز العقبات. المشكلة في عدم تفرقة الناس بين المرض النفسي، والاكتئاب النفسي، ولو تجرأ أحدٌ على ذكر ذهابه لطبيبٍ نفسي، لأقاموا الاحتفالات، وساروا من خلفه بالمزامير، والطبول ليتغنوَّ بجنونه، وليصفقوا جلياً باستنساخ نسخةٍ لمجنونٍ، ومتخلفٍ عقلي من لا شيء!

وإن جئتم لعالم المجريات، وطرح الأسئلة على المجتمع الفلسطيني، لوجدتم كلاماً جميلاً، ومثالياتٍ لا نظير لها، ليصبح الكلام كالخضروات التي يبيعها البائع على عربته بكيلواتٍ، وأوقيات دون أي مبادراتٍ، أو أشياء ملموسة على أرض الواقع. ولنعطي أمثلةً: تعالوا معي على الأرياف لننقل الصورة ماذا يطرح الناس، وماذا يجول في تفكيرهم هل تزوجت؟ هل بنيت بيتاً؟ هل تمتلك قطعة كرتونٍ لبكالوريوس وما شابهها من الدراسات العليا؟ أرأيت ماذا فعل فلان؟ وماذا حصل وكم جنى؟ ليس من العادة أن يتركوا أحداً من القيل والقال، والغيبة والنميمة، لماذا لم يسافر فلان وقد صار له سنواتٍ عديدة في الخارج؟ ألم يكتفي من لم النقود! ناهيك عن فئةٍ من المثبطين، والحاقدين، والمسلمين بالهويات اللادينيين وغيرها.

إن الضغوطات المحيطة تعمل كموجات تدمير  لمجتمعنا الفلسطيني، والإجبار على الخضوع للإلحاد، ويتطلبُ ذلك تفريغاً واجباً، للتخلص من شعلة الغضب التي تنعكس بالسلب على الفرد قبل المجتمع في فقدانه لصوابه.

وعند الحوارات، وفي تقبل الآراء، فهذا أمرٌ معدوم بتاتاً، فالكل هو المسؤول، والمسيطر الوحيد، والرأس الأكبر مهما كان، وثقافة التنازلات، والتخلي عن أمرٍ منعاً للمشاكل لا يمكن حدوث ذلك بتاتاً، إنما السعي دائماً للعب دور صاحب السيطرة، والقوة، فالحلم، والتأني، والمعاملة بإنسانية تعد من المسكنة، وأساليب الضعفاء بناءً على رؤية المجتمع الفاسدة. وفي عالم الأخبار، وصور المجازر، والدمار يتفاخر الكثيرون بمشاهدة أبنائهم الصغار لهذه الصور، مصرين على خلق روح الغضب على الأعداء، ومقاومتهم عند الكبر، وهم في غفلةٍ عن مخاطر هذه المشاهدة، وتأثيرها على نفسية الأطفال، وتصرفاتهم في المستقبل، فالحقيقة أنهم غير مجبرون على ذلك، وأعمارهم لا تسمح لهم رؤية اللحم المقطع، والدماء النازفة، والجثث المحترقة.

وغفوةُ الأهالي، وقلةُ معرفتهم بالتغيرات البيلوجية، والعقلية لأبنائهم أمام مراحلهم العمرية المختلفة، تعيد مشوار الأمراض، والتقلبات المزاجية، ومراحل الغضب، وقلة الصبر، ولعل كثيراً منكم مر بمراحل مشابهة، ووصل به الحال لتصرفات لا مسؤولة بسبب سوء الفهم لما يفكر به. وأمام محاولاتِ البعض منا لتغيير نفسه، وما حوله من عاداتٍ، وعقلياتِ تفكيرٍ نحو أمور تتعلق بالاجتماعيات، وغياب القصاص ضد من يستهترون بممتلكات الناس، وأروحاهم في الأرياف تحديداً، تخرج عليك فئةٌ بدعوى العشائرية، وفنجان القهوة، واستخدام المخاجلة في انهاء شيءٍ ينبتُ غضباً جديداً، وبؤساً أشد، وجيلاً أحقر بسبب الصمت عن الخطأ، وجلب خطئٍ جديد.

زبدةُ الإشكاليات المنغصة للعقول والأجساد، أن الضغوطات المحيطة في صدد أمواجٍ التدمير الممنهجة لمجتمعنا الفلسطيني، والمجتمعات العربية، والإجبار على الخضوع للإلحاد تتطلبُ تفريغاً واجباً، وحتمياً، للتخلص من شعلة الغضب التي تنعكس بالسلب على الفرد قبل المجتمع في فقدانه لصوابه، وارتكابه لجرمٍ ليس ببعيد، فكما يقال "إنما للصبر حدود" وما بينه وبين الكفر خيط.