جرائمٌ صغيرة

blogs - يد جريمة
لجريمةٍ صغيرةٍ نخونُ فيها الوطن.. تلكَ الجريمةُ المستترةُ تحتَ غطاءَ وطنيَّةٍ إعلاميّةٍ نشتريها بالشيكل ونبيعُها بالدولارِ على شاشاتٍ عربيَّة، نوهمُ الوطنَ فيها أننا لم ننسهُ يوماً وأنّه حيٌّ في قلوبنا متمكنٌ منها، وأننا شعوباً قد تغللَ فيها الاحتلالُ وتمكنت منها الحروبُ، وليس كبيرا عليها أن تفرحَ يوماً حتى إن كانت تلك الفرحةُ مبتاعةٌ من الاحتلالِ أصلا.. ليشتروا صمتنا مع تلكَ الفرحة.. صمتنا واستسلامنا واعتيادنا على وطأةِ الاحتلال.

لجريمة صغيرة تكونُ فيها مواطنا، يعني أنْ تصمت عن ما لكَ وما عليكَ لتعيشَ بسلامٍ في وقتٍ يكاد لا يخلو فيه أيُّ بلدٍ عربيٍّ من أساساتِ قيامِ حربٍ عالميَّةٍ ثالثة. تسكتُ عن لقمةِ عيشك وأبنائكَ في محاولةٍ حثيثةٍ منكَ أن تربِّيهم، فكلُّ همكَ أن يكبروا أمامَ عينيكَ.. غاضًّا نظركَ في أيّ بيئةٍ يكبرون وعلى أي كذبٍ يقتاتون.. وصمتٌ يكبرُ معهم حتى يكاد الواحد منهم يتنازلُ عن حقه لك بكاملِ رضاه دونَ أن تصرَّ على أخذه.. تربّى على أن"يختصر الشر" و"يمشي الحيط بالحيط" ظنًّا منه أن الحائطَ سيوفرُ لهُ حياةً آمنةً وإن كان كمواطن بالنسبةِ للحكومات ما هو إلا نعلُ حذاءٍ ولّى عليها الدهر.

لجريمةٍ صغيرةٍ تعتادُ فيها خيانة أصدقائك.. أن تعتادَ بعدَ أحدهم الأقربُ لكَ بمبررِ أنَّ الحياةَ هكذا تأخذُ أكثرَ مما تعطي، وأن من ذهبَ اليوم سيأتي ألفٌ غيره غداً، وكأنَّ العالم أجمع ينتظر إشارةً منكَ ليكونَ أخلصَ صديقٍ تراهُ عيناك.. في زمنٍ إن خرجتَ فيه من الدنيا بصديقٍ مخلصٍ واحد تكون قد ملكت كنوزَ الدنيا أجمع.

نرضى بالأقل أو حتى نكون لا شيء في سبيل أن تتركنا الدنيا نعيش بسلام… لنعيش نعيش مجرمين.. هي هكذا الحياة، تكذبُ لتنجو.. تخون لتبتعد، تدفع لتعيش، تهاجر لتأكل.. وتصمت لتموت.

لجريمة صغيرة تكون فيها فقيرَ حب، وليس ضروريا أن يكونَ الحبُّ بمعناه المقتصر على اثنين، الحب أكبر من ذلكَ كلِّه.. الحبُّ من نفسكِ ولنفسكَ ولحياةٍ تعيشها ولرسالةٍ أنت مخولٌ بتمثيلها بأبهى صور الحب.. حبُّ الوطن، حب الأرض، حب السماء، حب البحر، حب موسيقى المساء وقهوة الصباح.. الحب ذاك بمعنى الشّغف، أن تُشغَف بما تسعى إليه.. تُشغَفَ بعملك، بيومك.. بالتفاصيلِ الصغيرةِ المملة التي قد لا يلحظها أحدٌ غيرك حتى.. يكفي أن تستيقظَ وبداخلك شعور حب لشيءٍ أو لشخصٍ أو لهدفٍ لتعيش..

لجريمةٍ صغيرةٍ في حياةٍ لا يكونُ اللهُ إلهنا فيها، ويكونُ الإلحادُ حريةً ومبدأ واختلاف أفكار وآراءٍ قبلَ أن يكونَ كفراً بأيِّ دينٍ من الأديان، كفرا بعقولنا حتى التي لا ترضى أن يتمَّ استغفالها وتغليفها.. والأكبرُ من الجريمة نفسها، أننا نصدِّق أننا لا نستطيعُ مناقشةَ ملحدٍ واحد ورده لأننا ندركُ أنُّه ما ألحد إلا بعد أن بحثَ كثيراً وفكّر كثيرا! نشوه عقولنا بفكرةِ أن البحثَ يجعلنا نكفر بالله، في حينِ أن البحث يجب أن يكونَ خيرَ دليلٍ عليه! نجرم بحقِّ عقولنا عندما نثق بأنّها حرية شخصية لا يحق لنا أن نسأل عنها حتى..  خوفا من أن نغرق فيها أكثر، كأسئلةِ البعثِ والنشور أصل الحياةِ تلك التي عوّدنا أهلنا على ألّا نسألها ولا نفكر فيها حتى، وتصل إلى أنْ يكفّروننا.. في حينِ أن الله ما خلقَ لنا عقولاً إلا لتفكر وتتأملَ وتبحث وتصل.. تصل إلى الحقيقةِ المطلقة.

لجريمةٍ صغيرةٍ نشتري فيها الجنسيةَ الأجنبيَّة بالغالي والثمينِ لنحصلَ على أساسيّات سبلِ الحياةِ الكريمة لنا، والتي بالأساس حق لنا بأوطاننا.. لكننا اكتفينا أنْ تعاملنا حكوماتنا بابتذالٍ لنذهبَ ونطالب بحقوقِنا من أوطانٍ ما هي بالنسبةِ لنا إلا أوطاناً بديلة.. لكنها أوطان! لا اختلاف على ذلك، فمعنى الوطن متفقٌ عليه أنّه الدفءَ الذي ينتشلكُ من بردِ الفقر والجوعِ والغربة والتهجير.. إليه.. لجريمة صغيرة نتسابق فيها على حقوقنا بالمحسوبيّة والرشوةِ بمبرر أن الحكومات قائمة عليها وأن الأوراقَ الرسمية وحقوقنا لن تصلنا إلا "بالمصاري"، تدفع أكثر تفوز أكثر..

لجريمة أن تعتاد الجريمة بحجَّة أنها جريمة صغيرة قد يتمُّ التغاضي عنها وحياتنا لا تتوقف عليها.. نجرمُ بحقِّ أنفسنا قبل أي أحد.. ونبني مجتمعاتٍ بحد ذاتها قائمةً على الجريمة، نبرر جرائمنا بأننا كغيرنا وأنها "هيك الدنيا ماشية"، نرضى ظلما و زورا واحتلالا، نرضى بالأقل وأن نكون أقل أو حتى نكون لا شيء في سبيل أن تتركنا الدنيا لنعيش بسلام دون أن تضربنا بقوى الحكومات وسياساتها… لنعيش.. نعيش مجرمين.. هي هكذا الحياة، تكذبُ لتنجو.. تخون لتبتعد، تدفع لتعيش، تهاجر لتأكل.. وتصمت لتموت..