شعار قسم مدونات

الكماليون

جوبز
في إحدى الصور لستيف جوبز مؤسس شركة أبل يظهر وهو في سنوات العشرين من عمره وهو يجلس على الأرض في شقته التي لا توجد فيها أي قطعة أثاث! لم يكن في حينها فقيرا حتى لا يتمكن من شراء الأثاث؛ فقد كان حسابه البنكي يحوي 250 مليون دولارا، ولم يعرف عنه البخل حتى يبخل على نفسه بشراء أثاث للبيت، أيضا لم يعرف عنه البذخ الذي قد يكون سببا لئلا يجد قطع أثاث ثمينة تليق به، إذا لماذا كان يجلس على الأرض في شقة لا توجد فيها أي قطعة اثاث؟

إنها الكمالية، لقد كان ستيف جوبز يعاني من الكمالية الأمر الذي أدى به إلى أن لا يجد قطع أثاث تتلاءم شكلا ولونا مع ذوقه وتتناسب مع شقته، وفضل أن يجلس على الأرض بدون أثاث، إن منتجات أبل كلها تتحلى بالجمال والجودة العالية جدا، وهذه فلسفة وروح ستيف جوبز، في كثير من الأحيان كان يؤجل موعد إخراج منتج جديد إلى السوق بسبب إضافات وتحسينات جديدة، وحتى أن أحد المنتجات تأخر في إنزاله إلى السوق سنة كاملة، وإحدى الأمور التي لم تعجبه في هذا المنتج هو لون الأسلاك في داخل الجهاز رغم أنه لا يمكن لأحد أن يرى هذه الأسلاك، لأنه كما هو معروف أن منتجات أبل لا يمكن فتحها في حالات العطب إلا عند مختصين.

الكماليون المتطرفون من الصعب أن يشعروا بالرضا من الأعمال والإنجازات التي يقومون بها، فلديهم قدرة رهيبة على رؤية النقطة السوداء في الورقة البيضاء والتركيز عليها.

قد يبدوا من كل ما ذكر أن "الكمالية" صفة جيدة، والحقيقة أنها كذلك إن كانت في الجانب المهني، فهي تحفز الشخص على الإتقان والبحث المتواصل عن الكمال، لكن إن أصبحت متطرفة فإنها تؤدي إلى بعض النتائج السلبية، وسأبين هذه النتائج وخصوصا في مجال الخطابة.

أولا- الكماليون الذين يمارسون كماليتهم بتطرف يعانون من علاقات اجتماعية سيئة، فهم يطلبون الكمال من الناس المحيطين بهم وهذا مستحيل، عادة يستصعبون أن يجدوا شريك حياة يلائم معاييرهم ويتأخرون في الزواج، وأيضا إذا تزوجوا فإن احتمال الطلاق عندهم عال.
ثانيا- الكماليون كزبائن من الصعب إرضاؤهم ويمضون أوقاتا طويلة في البحث عن المنتج المناسب تماما لهم وفي هذا هدر للطاقة الوقت.

ثالثا- الكماليون المتطرفون من الصعب أن يشعروا بالرضا من الأعمال والإنجازات التي يقومون بها، فلديهم قدرة رهيبة على رؤية النقطة السوداء في الورقة البيضاء والتركيز عليها، ولا يحتاجون إلى من ينتقدهم، فلديهم قدرة فذة في نقد ذواتهم! فبالرغم من أن هذه الصفة تؤدي بهم إلى إتقان ما يقومون به إلا إنها من جانب آخر تؤدي بهم إلى عدم الشعور بالرضا، فهم دائما يبحثون عن التحسين ولا يهنأون بإنجازاتهم، فهم دائمو البحث عن إنجازات جديدة، وقد وجدتهم في دوراتي يرفضون نشر فيديوهاتهم نتيجة لخطأ واحد بسيط في الإلقاء، ويعيدون مرة ومرة الإلقاء وحتى إنهم يتوقفون عن الإعادة ليس لأنهم رضوا بما قدموه بل لأن ذلك أنهكهم أو لأنني أعطيتهم الثقة أن هذا يكفي.

رابعا- الكماليون المتطرفون يستعدون بشكل متطرف، لا يشعرون أبدا أبدا أن استعدادهم كاف، وقد وجدتهم في دوراتي في فن الإلقاء يمضون ساعات طويلة في البيت، ويدخلون كل من حولهم في حالة من الطوارئ من شدة قلقهم المبالغ فيه وكثرة استعدادهم. الحقيقة أن الاستعداد الكثير ممتاز، لكن هنالك مرحلة يصبح الأمر فيها مبتذلا ومضرا وخصوصا أن الإنسان لديه واجبات أخرى عليه أن يقوم بها. وأيضا، إن الاستعداد لم يعد يحسن الأداء، فيصاب الإنسان بالملل وقد يفقد اللهفة.

اعلم أن الإبداع سيرورة وأن الكمالية تقتضي أن نحاول ونفشل، وأن لا تمضي وقتا طويلا في الاستعداد، فهنالك أمور لن تظهر لك ولن تتعلمها إلا اذا جربتها.

خامسا- وهنا قمة التطرف في الكمالية، فبالرغم من استعدادهم؛ إلا إنهم لا يقدمون! ليس خوفا من الفشل وإنما خوفا من ألا يكون أدائهم متقنا مئة بالمئة، بحكم عملي كمدرب رأيتهم لا يقدمون على الإلقاء بالرغم من استعدادهم، لكن عندما كنت ألزمهم بالإقدام كان أداءهم رائعا إلى أبعد حدود. إن الإبداع هو عملية وسيرورة، إن الله إذا خلق شيئا خلقه كاملا منذ اللحظة الأولى، أما الإنسان فكل اختراعاته مرت بتطوير، أنظر إلى الفرق بين الطيارة الأولى قبل 100 سنة والطيارة في أيامنا، والحاسوب قبل 40 سنة والحاسوب في أيامنا، أنظر إلى الخطباء الذين يجيدون الإلقاء وتحدث معهم عن تجربتهم الأولى وكيف أنهم تحسنوا مع الوقت، إن الكمال البشري هو كمال نسبي، فلن يستطيع الإنسان أن يفعل أو يصنع شيئا كاملا، وهذا الكمال النسبي متطور كل الوقت.

إذا قد تشكل الكمالية أحد أسباب الخوف من الإلقاء أمام الجمهور، ليس لخوف صاحبها من الفشل وإنما من خوفه لعدم قدرته على إتقان إلقائه مئة بالمئة، أعتقد أن الكماليين بالرغم من عدم كونهم لطفاء كثيرا من ناحية اجتماعية، وكونهم زبائن يصعب إرضاؤهم، وكونهم عادة لا يشعرون بسعادة مما يقومون به إلا أن أكثر الجمال والإتقان الذي في حياتنا يعود في جزء كبير منه إليهم، لقد استطاع ستيف جوبز أن يجري 7 ثورات في 7 قطاعات اقتصادية مختلفة كالموسيقى والصحف والحوانيت والحواسيب وأفلام الإنيميشن، إلا أنه كان معروفا عنه ثورات الغضب والإهانات لموظفيه، حتى إنه في مرحلة من حياته تم طرده من شركته التي أسسها من قبل مجلس الإدارة لسوء معاملته، لكنهم أعادوه بعد عشر سنوات بعد أن أشرفت الشركة على الإفلاس، لقد أدركوا أنهم مستعدون أن يتحملوا معاملته السيئة مقابل كماليته المُبدِعَة والمُتقِنَة.

إذا كنت كماليا فحاول أن تجعل كماليتك في الجانب المهني، وأيضا بحدود، واعلم أن الإبداع سيرورة وأن الكمالية تقتضي أن نحاول ونفشل، وأن لا تمضي وقتا طويلا في الاستعداد، فهنالك أمور لن تظهر لك ولن تتعلمها إلا اذا جربتها.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.