عن الثورة وصراع ثنائية العنف والسلمية

تمهيد:
العنف في مقابل السلمية، أو الجهاد في مقابل الخنوع، مصطلحات شاعت في الأوساط الثورية والسياسية عقب انقلاب 3 يوليو/تموز، فلقد خلقت ممارسات الآلة العسكرية التي اتبعتها السلطة حوارًا عنيفًا بين معارضي الانقلاب أنفسهم حول جدوى استمرار النهج السلمي أم ضرورة إعلان الجهاد واستخدام العنف المسلح. فأصبح سؤال الثورة يدور حول الوسيلة التي يمكن من خلالها استعادة المسار الديمقراطي.

 

تظل الإشكالية الكبرى في طرح هذا السؤال والصراع الذي صاحبه -أيًّا كانت الأداة التي دار حولها الخلاف سواء كانت جهادًا مسلّحًا أو مسارًا سلميًّا فهي أولًا وأخيرًا أداة تكتيكية يمكن استخدامهما معًا- أنه لا يمكن تبني العنف دون أن يكون له ظهير شعبي وزخم جماهيري يظهر من خلال مظاهرات الشارع، ولذلك تظل لحظة تخلي الثورة عن توجيه ضربات قاصمة للنظام في الفترة التي تلت مذبحة فض اعتصامي رابعة والنهضة من أكبر أخطاء عدم استغلال تلك الأحداث.

1. العنف كأداة مركبة ومتشعبة:

إن العنف ظاهرة مركبة لها أبعاد متعددة، وحصر النظر في جانبها السياسي المتمثل في معارضة النظام الاستبدادي هو خلل في الإدراك وفقر في أهلية تصدر مشروع الثورة، فالعنف له مظاهر داخلية متعلقة بالسياسة والاقتصاد والاجتماع والتاريخ والحضارة، وأخرى خارجية متعلقة بطبيعة البيئة الإقليمية والدولية التي يتم استخدام العنف في سياقها، وإلى أي مدى ستقبل الأجندة الدولية مشروع الثورة من جهة، وما مدى تقبل النظام الإقليمي والدولي لعسكرة الثورة من جهة ثانية، وإلى أي مدى يمكن صياغة خطاب ثوري لا يعادي العالم أجمع من جهة ثالثة.
 

تاريخيًّا، لم يكن استخدام العنف من عدمه النقطة المحورية في نجاح العديد من تجارب التغيير السياسي، ولكن كانت هناك أبعاد ومتغيرات مختلفة وفقًا لكل حالة.

تقول "حنا أرندت": لا يمكن أن تكون هناك ثورة بدون استخدام عنف، وهذا ما دفع العديد إلى القول إن العنف هو وجه من وجوه السياسة؛ لأنه يحقق أهدافًا سياسية، سواء كان عنفًا رسميًّا تستخدمه السلطة ضد المتظاهرين من أجل تأمين استقرار النظام من خطر التغيير، أو عنفًا غير رسمي تقوده حركات المعارضة لتحقيق أهداف متعلقة بإسقاط النظام. ولذلك لم تخل تجارب التغيير المختلفة من استخدام قدر من العنف، ولا يمكن تصور وجود سياسة بدون قدر ما من العنف والذي تستخدمه الأطراف المتناحرة كوسيلة ضغط على بعضهم البعض، وهي نظرة مغايرة تمامًا لنظرة ثنائيات العنف في مقابل السلمية.

 

2. دور العامل الخارجي:

تاريخيًّا، لم يكن استخدام العنف من عدمه النقطة المحورية في نجاح العديد من تجارب التغيير السياسي، ولكن كانت هناك أبعاد ومتغيرات مختلفة وفقًا لكل حالة، فمثلًا دول شرق وجنوب أوروبا وبعض دول أمريكا اللاتينية قد استطاعت السير خطوات بعيدة في طريق التحول الديمقراطي من خلال الدور البارز الذي مارسته القوى الإقليمية والدولية المساندة للتغيير، وهو ما ساعد تلك التجارب على الانتقال سريعًا من نظم شمولية إلى نظم ديمقراطية، ولذلك لم تحتج تلك التجارب إلى أداة العنف كمؤشر جوهري نهائي على نجاح التغيير السياسي.

 

وحتى لا نسقط في فخ الجمود الذي لا يُولّد حركةً ولا ينتج أملًا -نتيجة الخلاف حول الوسيلة وإهمال العوامل الكلية والأهداف المحورية- يبقى الدرس المستفاد من هذه النقطة هو ضرورة إدراك أهمية العامل الخارجي في نجاح أو عرقلة مشروعات التغيير، خاصة إذا كانت هناك مصالح استراتيجية كبيرة بينه وبين السلطة القائمة، ومن هنا يكون بناء خطاب ثوري مدرك للأبعاد المختلفة أحد أهم أدوات النصر، فليس منطقيًّا أن تعلن الثورة الحرب على الجميع في الوقت الذي تحتاج فيه إلى تحييد الخصوم إذا كانت تأنف التوافق معهم.

                                                                                                
3. الإجماع الوطني:

لقد استطاعت بعض التجارب أن تحقق إصلاحات سياسية في طريق التحول من النظم السلطوية إلى الديمقراطية باستخدام أداة التوافق الوطني الذي استطاع تحقيق نفوذ جماهيري وحاضنة شعبية داخل البنية الاجتماعية العامة لتلك النظم رغم الاستبداد الداخلي والعرقلة الإقليمية والدولية، حيث استطاع التوافق الوطني واتفاق المعارضة حول مقومات ومبادئ التغيير السياسي أن يمكنهم من تجاوز هذا السياق الداخلي السلطوي والخارجي المناوئ للتحول الديمقراطي وليس مجرد الخلاف حول أداة العنف أم السلمية، فاستخدام العنف كان وجهًا من وجوه السياسة التي استخدمتها تلك القوى ضد النظام رغم مشروعها السلمي كتجربة الفلبين.
 

4. إدراك حجم الخسائر ومخاطر استقلال القرار:

إن المعضلة ليست في تبني السلمية أو الخيار المسلح كخيار استراتيجي في إحداث التغيير السياسي وإسقاط الانقلاب العسكري، ولكن تبقى المعضلة الحقيقية في توافر الأهداف الواضحة والرؤية الكاملة لكلّ من الطليعة القائدة والجماهير الغاضبة.

تظل معضلة إدراك حجم الخسائر الهائلة في الأرواح والبنية التحتية وأزمات تمزق المجتمع من أهم المعضلات التي لا ينبغي غض الطرف عنها، وهي -على استشراف مآلاتها وعلى قدرة الطليعة القيادية على الاستمرار في المقاومة من ناحية، ومدى استمرار القبول الاجتماعي والشعبي لهذه التضحيات من ناحية أخرى- أنه لا يخفى على أحد أن تاريخ الديمقراطيات الأوروبية المزدهرة كانت نتاجًا لصراعات دموية في معظم الحالات، فلقد كانت أداة استخدام القوة فيها رئيسة في حسم النتائج، ولكن كان القبول الشعبي بنتائجها عاملًا ضروريًّا للاستمرار حتى يتم حصد الثمار.

 

والجدير بالذكر، أن عسكرة الثورة تجعل الثوار في وضع تبعية شبه كاملة للخارج الممول، إلا إذا استطاعت توفير التمويل الذاتي كما يفعل تنظيم الدولة مثلًا، وهي نقطة مفصلية في مشروع الثورة الكلي، بدءًا من مستوى الرؤية ومرورًا بالخطاب وانتهاءً بالخطط التفصيلية.

 

خاتمة:

إن المعضلة ليست في تبني السلمية أو الخيار المسلح كخيار استراتيجي في إحداث التغيير السياسي وإسقاط الانقلاب العسكري، ولكن تبقى المعضلة الحقيقية في توافر الأهداف الواضحة والرؤية الكاملة لكلّ من الطليعة القائدة والجماهير الغاضبة، وهذه الأهداف يتوقف مدى وضوحها على دقة الاستراتيجيات الموضوعة القائمة على استقراء حقيقي للتاريخ، وفقه متكامل للواقع، وإدراك صحيح للسنن، وهو ما يحقق فاعلية التكتيكات في تحقيق الأهداف المنشودة وفقًا للعامل الزمني وتأثيره على تغيير المشهد. ولذلك لا يتوقف انتصار التجربة على الأداة المستخدمة في الصراع؛ لأنها أولًا وأخيًرا أداة، ولكن يتوقف على القراءة العميقة للواقع التي تستتبع تغيير التكتيكات مع محورية الاستراتيجيات المحددة سلفًا وفقًا لجملة الأهداف المتفق عليها.

 

لقد استطاع الاستعمار تجاوز محنة حركات التحرر المسلحة التي تبنت المقاومة الجهادية كخيار استراتيجي من خلال قيامه بتغيير تكتيكاته، حيث رأى من وجوده تكلفة مادية وبشرية أكبر مما يحتملها، فاستبدل بوجوده نظمًا استبدادية وحكومات عسكرية أو ما عُرفت بـ "النخب الجسرية" التي استلمت بنية السلطة وتركيبة النظام الكولونيالي كما هي، فاستكملت مشروع الحفاظ على أهداف المستعمر واستراتيجياته في نهب الشعوب المحتلة، وهو بمنزلة وعي حقيقي وفهم شامل لمشروعه -أي الاستعمار- الإمبريالي، مع إيهام شعوبنا بأنها حققت استقلالها وأعادت كرامتها. ولذلك يمكن القول أن الأمر أساسًا غير متعلق بأي الأدوات تستخدم، ولكنه كلٌّ مترابط يتوقف على وضوح الأهداف ودقة الاستراتيجيات ومرونة التكتيكات.



حول هذه القصة

أكملت شركة “أوجيه الشرق الأوسط القابضة” اللبنانية المملوكة لعائلة الحريري أمس الأربعاء بيع حصتها البالغة نحو 20% في البنك العربي -ومقره الأردن- مقابل 1.12 مليار دولار.

9/2/2017
المزيد من المدونات
الأكثر قراءة