عن استبداد العمل الخيري

 (1)
في المجتمعات الفقيرة ماديا وثقافيا يتطور الاستبداد إلى أزمة حلقية متتالية الأفعال والنتائج، من الأسرة والوالدين، إلى المجتمع الصغير والكبير، إلى هرم الدولة، ثم نزولا إلى الأسرة الفرد من جديد. وتحتفظ ذاكرتنا الاجتماعية بألوان من الاستبداد ليس آخرها السياسي بطبيعة الحال، وإن كان أكثرها وضوحا وتأثيرا.

كنت قد كتبت مقالة لموقع إسلام أونلاين العام الماضي عنونت لها بـ"سيكلوجية التسلط" تناولت فيها جانبا من تكريسنا الاجتماعي لنفسية القهر والاستبداد، وشكوانا المتصلة من آثاره ونتائجه، وبعد نشر المقال وبحكم عملي أو تواصلي مع جهات عدة خيرية وإنسانية، رأيت استكمال فكرة المقال المشار إليه بكلمات إلى مؤسساتنا الخيرية ونشطاء العمل الإنساني؛ لتتكامل الجهود والأفكار وإن كانت العناوين الصحفية حادة في كثير من الأحيان.
 

تعتمد عامة الأعمال الخيرية على إنشاء المرافق الأساسية وتشغيلها، وقد تهتم بعض المؤسسات بالبناء دون التشغيل لصعوبته في الواقع وتجدد احتياجات التشغيل بخلاف التأسيس والإنشاء مهما كانت ارتفعت كلفته.

(2)
استراتيجيا.. يُنتظر من العمل الخيري أن يعمل على مساندة قادة المجتمعات المحلية وتأهيلهم؛ لتحمل مسؤوليات التوعية والبناء والتنمية، وإن استغرق ذلك الهدف الكبير سنوات طويلة وجهودا ضخمة. ولعل قارئ المقال وكاتبه أيضا، يدركان صعوبة تنزيل الأفكار وتطبيقها في واقع متداخل ومعقد بإجمال، وتغيب عنه في نفس الوقت استراتيجيات واضحة في مختلف مستوياته بلا استثناء، وبرغم ذلك يظل القرع على الباب أجدى للضيف من الإياس.

تعتمد عامة الأعمال الخيرية على إنشاء المرافق الأساسية وتشغيلها، وقد تهتم بعض المؤسسات بالبناء دون التشغيل لصعوبته في الواقع وتجدد احتياجات التشغيل بخلاف التأسيس والإنشاء مهما كانت ارتفعت كلفته. هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى عادة ما يركز منفذو الأعمال الخيرية على صورة المرافق -دون فاعليتها- لنقلها زاهية إلى طبقة الممولين كوسيلة لاستدرار المزيد من أرباب "البزنس" الإنساني واستحلابهم.

(3)
وإذا نحيّنا استراتيجيات العمل نفسه جانبا، وتركنا الوسطاء والممولين وشأنهم، وطبيعة العلاقة بينهما أيضا، واتجهنا صوب فاعلية الأنشطة الخيرية نفسها ودورها في الدفع بالمجتمعات المستهدفة إلى الأمام أو حبسها في دائرة التلقي والاستهلاك، فسنرى نماذج متفرقة هنا وهناك تتراوح ما بين الجيد والإيجابي والمنتج في بعض الحالات، والسلبي والمعطل والمهدد لسلامة المجتمع أحيانا أخرى.
 

في حالة الإنفاق الخيري لتأسيس المساجد مثلا، عادة ما تشترط المؤسسة الخيرية الحصول على حق إدارة المسجد ما يتسبب في تلويث رسالة الإنفاق ورهنها بمقابل وثمن.

وبما أن عامة الأعمال الخيرية ذات صبغة دينية ومذهبية -إن أردنا الصراحة- فإن معظم الإشكاليات عادة ما تبدأ من نقطة ارتباط المساندة الخيرية بالدعوة والترويج لمذهب أو طائفة -وكلامي عن المنظمات الخيرية الإسلامية بالطبع- وتتفرع عن الارتباط المذكور مشكلات عدة ليس أقلها انقسام المجتمع الصغير المستهدف بالعمل الخيري إلى شطرين أو أجزاء عدة حسب عدد الطوائف الدافعة بمنظماتها تجاهه.

(4)
في حالة الإنفاق الخيري لتأسيس المساجد مثلا، عادة ما تشترط المؤسسة الخيرية الحصول على حق إدارة المسجد ما يتسبب في تلويث رسالة الإنفاق ورهنها بمقابل وثمن، وكأن المنفق يقول بلسان حاله: "إن أردتم بناء مسجدكم والاستمتاع بسجاجيد فاخرة، وبالكهرباء وتوابعها من تكييف وماء بارد، فإن عليكم التنازل عن حقكم في إدارة المسجد، وتبعا لذلك: التنازل عن حقكم في اختيار من يخطب فيكم ويعظ ومن يتقدمكم في الصلاة". وكم من مساجد شرع الخيرون في بنائها ثم توقف العمل، وكم من أخرى تزينت لروادها ثم تعذر افتتاحها لأسباب من شاكلة ما ذكرت.

(5)
دعوا رسالة الإنفاق بلا ألوان، ضعوا عنها آصار المنظمات المذهبية وأغلال الإدارات المستبدة، وليكن إنفاقكم إطلاقا لطاقات جبارة كبلها الحرمان، وتسريعا لنجاحات تفتقر إلى أدوات ومصابيح، ومنحا لمزيد من الحرية والأمل.



حول هذه القصة

بعد ثلاثة عقود من رحيلها، يطل وجه المغنية الفرنسية داليدا من جديد عبر فيلم فرنسي يحمل اسمها ويتناول قصة حياتها المبهرة البرّاقة ظاهريا والمأساوية جوهريا، والتي انتهت بالانتحار عام 1987.

9/2/2017
المزيد من المدونات
الأكثر قراءة