عثمان.. ظلم المصرع.. ظلم الاستدعاء

لعل إشكاليات تاريخنا لا تبدأ وحسب من صحة رواياته من عدمها، بل تبدأ في كثير من الحالات من القراءة الموضوعية المتوازنة الخالية من الاستدعاء، وأعني بالاستدعاء استحضار الشخصيات التاريخية لواقعنا المعاصر بما يتفق مع احتياجاتنا لا بناء على ما جرى حقيقة، وهذا يشمل مجالات الوعظ والبحث معا، ففيهما -على سبيل المثال لا الحصر- فإننا نستدعي التاريخ استدعاء وظيفيا، فنستحضر منه ما يتفق وحاجة المخاطبين أو الرؤى البحثية التي يتبناها الباحثون، وفي الحالين، ثمة ظلم من نوع ما يطال الشخصية والقارئ والحدث معا.

وتلعب النظرة الساعية للمثالية دورا كبيرا في ظلم الشخصيات حين الحديث عنها، فهي نظرة لا تتصور المثالية إلا جمودا على حالة واحدة من الطهارة، وتعتبر الديناميكية والتحول أمرا مخيفا، كما لو لم تكن هي المطلوبة أصالة.

كما تؤثر النظرة الاستردادية على رواية الوقائع التاريخية، فاسترداد الراوي للواقعة في سياق فهمه للوقائع اللاحقة عليها والسابقة لها، يمنح الرواية ظلا معينا يلغي صورتها الأصلية، بل وقد يغيب ردود الأفعال الحقيقية المحيطة بها، ويسوق ردود أفعال معممة وغامضة مكانها تتناسب مع رؤيته للحادثة.

ومن هذه الشخصيات التي تفتقد النظرة المتكاملة لها، شخصية عثمان رضي الله عنه الخليفة الراشد الثالث، فبين القداسة المسبغة على فضائله، والإشكاليات المرتبطة بخليط الروايات حول فتنة استشهاده، نجد أن هذه الشخصية ظلمت كثيرا، فخلافته موضع إرباك حتى عند المدافعين عنه، فهم يروون الوقائع مجردين إياه من الفعل، ويجعلون الوقائع تجري، بينما هو حمامة سلام لا تفعل شيئا، سوى الكلام المسالم، هذا عدا عن الخلط المزمن بين الفضائل والسوابق والوقائع التي جرت في عهده.
 

من مكامن الخلل في الاستدعاء لشخصية عثمان رضي الله عنه، خللنا في فهم فضيلة الحياء، إذ نفترض أن من يتحلى بها، يجب أن يكون مسالما متنازلا غير قادر على اتخاذ قرار، وفي المقابل فإننا نحب الشجعان والخطباء.

بل إن كل من ثار على العهود الإسلامية اللاحقة كان يرفع شعار سيرة أبي بكر وعمر رضي الله عنه، خاصة جماعات الخوارج، ما يشير لمشكلة في القراءة التاريخية، فهل خلا عهد الشيخين رضي الله عنهما من الإشكاليات؟ كلا بطبيعة الحال، ولكن الرؤية المثالية الجامدة، تحبذ التهرب من أجواء عدم الاستقرار، فتميل للشيخين على حساب رفيقيهما عثمان وعلي رضي الله عنهما، وتغفل هذه الرؤية الآية الكريمة: "والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان رضي الله عنهم ورضوا عنه"، والنص النبوي: "عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي"، وبدلا من التعلم من درس الفتنة، يجري الهروب نحو سيرة الشيخين رضي الله عنهما وحسب.

بينما يقسو الاستدعاء المهاجم -بحجة الموضوعية أو بحجة غياب المشروعية عن خلافته – فيسلبه كل فضيلة في خلافته أو في صحبته لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.

ومن مكامن الخلل في الاستدعاء لشخصية عثمان رضي الله عنه، خللنا في فهم فضيلة الحياء، إذ نفترض أن من يتحلى بها، يجب أن يكون مسالما متنازلا غير قادر على اتخاذ قرار، وفي المقابل فإننا نحب الشجعان والخطباء، لذا انزوى عثمان رضي الله عنه عن خيالنا الجمعي وكتابتنا التاريخية في زاوية واحدة هي الحياء، فنسي المؤرخون فتوحات عهد عثمان رضي الله عنه، إذ فشلت آخر محاولات يزدجرد في استعادة ملكه وقتل لاحقا، ووصل المسلمون لبحر قزوين وتونس وصالحوا نوبة شمال السودان الحالي، وركز كثير من المؤرخين على كون عثمان رضي الله عنه أول خليفة تلعثم في خطبة، واعترف بأنه ليس خطيبا مفوها، وأنه يحتاج تدربا على الخطابة، فيما يغفلون سؤاله الناس -إبان الأذان للجمعة- عن أسعارهم وعن مرضاهم.

ولأن عقلنا الجمعي عن بني أمية أنفسهم يتضمن حقيقة تحول الخلافة لملك وراثي في عهدهم، ولكون عثمان رضي الله عنه أمويا، سهل على المؤرخين اتهامه بمحاباة الأقارب، وأن هؤلاء حالوا بينه وبين بقية الصحابة، واستوى في الاتهام المتمردون على حكمه، والمؤرخون لاحقا، علما أن الولاة المحسوبين على بني أمية كانوا قلة قليلة من الولاة من ذوي القرابة به، علما بأنه أقال بعضهم، ورده مجددا بناء على طلب أهالي المدن.

بل جارى أهل الكوفة في شكاواهم من ولاتهم طويلا، كما بقي عثمان رضي الله عنه على مشاورة الصحابة رضي الله عنهم، كما كان الأمر في عهد عمر رضي الله عنه.

ولعل أمويته تلك قادت لاستهدافه من قبل روايات كثير من الكوفيين الناقمين على بني أمية فيما بعد، فيما غابت الروايات -إلا ما ندر- عن مجريات الحياة في عهده داخل المدينة، في مقابل كثرتها عن الفتنة في آخر حياته، بسبب تفرق أهل المدينة من الصحابة مهاجرين وأنصارا، ما حرم عثمان رضي الله عنه من رواة من جيل التابعين كأولئك الذين توافروا في العراق.

كما لعبت النظرة الاستردادية التشاؤمية على صورة عثمان رضي الله عنه، فقد صبغت هذه العقلية بعض وقائع عهد عثمان رضي الله عنه، وردت أخبار عن بعض المؤرخين ترتبط بضياع خاتم النبي صلى الله عليه وسلم من عثمان رضي الله عنه، وما شابه ذلك، ما جعل الصورة العامة تجعل عهد عثمان رضي الله عنه عهدا قلقا مضطربا.
 

مال عثمان رضي الله عنه لسياسة تفويض الولاة في أقاليمهم، ومال لدعم الوفرة الاقتصادية، وسمح بخروج الصحابة للأمصار لمتابعة أموالهم التي حازوها بالغنيمة أو بشرائها بالعطاء.

كما ظلمت المقارنة بينه وبين الخلفاء الراشدين الثلاثة في الاستدعاء التاريخي، وهي مشكلة قديمة، وذلك منذ بداية حكمه، فقد جاء بعد عمر رضي الله عنه، ليجد التركة ثقيلة مليئة زهدا وشدة وحزما وتدقيقا إداريا، فلم يتقبل كثيرون أدنى تزحزح عن سياسة عمر رضي الله عنه، مغفلين اختلاف الطبائع، وقد قالها عثمان رضي الله عنه لمن لامه على عدم اقتدائه بسيرة عمر رضي الله عنه في الزهد: وأينا يطيق سيرة عمر رضي الله عنه، واعتذر بكبر سنه عن أكل الخشن ولبس الخشن.

وإضافة لاختلاف الطباع، فهناك اختلاف الرؤى الذي يغفله الكثيرون، فقد مال عثمان رضي الله عنه لسياسة تفويض الولاة في أقاليمهم، ومال لدعم الوفرة الاقتصادية، وسمح بخروج الصحابة للأمصار لمتابعة أموالهم التي حازوها بالغنيمة أو بشرائها بالعطاء، كما أثرى عدد من أبناء الجيل الثاني من الصحابة كعبد الله بن الزبير وعبد الله بن جعفر رضي الله عنهم.

وفي المقابل، فقد حارب ظواهر اجتماعية أوجدتها الوفرة الاقتصادية في المدينة، وعاقب بعض الولاة ومخالفي النظم ومثيري الفتن القبلية. لكنه رضي الله عنه دفع ثمن معاقبته مثيري الفتن القبلية فكانوا من أبرز المتمردين عليه، واحتجبت إنجازاته خلف تفويضه للولاة، فصارت إنجازات عهده لهم لا له.

وفي منتهى الأمر، فعثمان رضي الله عنه قد قتل مظلوما على يد الثائرين المجرمين عليه، وقتل مرات أخرى على يد المؤرخين والعقلية الجمعية المسلمة. وهو أمر ينبغي دراسته بصورة أكثر موضوعية لمن يهتمون به، لإظهار الصورة المتكاملة والأقرب للموضوعية في التاريخ قبل الاتعاظ به.



حول هذه القصة

بعد ثلاثة عقود من رحيلها، يطل وجه المغنية الفرنسية داليدا من جديد عبر فيلم فرنسي يحمل اسمها ويتناول قصة حياتها المبهرة البرّاقة ظاهريا والمأساوية جوهريا، والتي انتهت بالانتحار عام 1987.

9/2/2017
المزيد من المدونات
الأكثر قراءة