موروثاتنا البالية!

blogs - مجتمع

يقول د. أحمد خالد توفيق في أحد كتبه: "الحقيقة أن أهل هذا الكوكب يفعلون ويقولون أشياء عديدة لا تخضع لأي منطق"، أظنه كان يقصد الموروثات، تقاليدنا التي نستقيها من آبائنا، من جيراننا، من معلمينا، من مجتمعنا الذي نعيش فيه، نتفاعل معه ويتفاعل معنا، نضيف إليه ويضيف إلينا، أظنه كان يقصد ذلك المضاف إلينا!

نحن -البشر عموما- نفعل الكثير من الأشياء دون أي منطق، ودون أي استدلال عقلي أو معرفي عليها، نفعلها لأننا تربينا على فعلها، نفعلها لأن أعيننا وعقولنا ألفتها من يوم ولدنا، نفعلها لأننا لم نرَ غيرها، ولا نحاول العثور على بديل لها؛ لأننا ببساطة نحيط أنفسنا بها ونتقوقع داخلها، فنشعر وكأنها الأفعال والأفكار التي يتحلى بها كل كائن بشري على وجه الأرض!

القيم النبيلة كان ينقصها شيء وحيد، وهو أن تكون نتاج تفكير منطقي، واقتناع باطني، كان ينقصها أن يرى المؤمن بها ويتعرف على نقيضها ليعلم أنه اختار الصواب، ويكف عن الاعتقاد بأنها مجرد قيم فطرية، لا يوجد لها نقيض.

في أحيان كثيرة نصادف وجود نُبل وجمال ورقي في بعض هذه الموروثات الثقافية التي لم نختَرها قط، بل فُرضت علينا كما فرضت علينا تركيباتنا الجينية، ومواطن نشأتنا، وألوان بشرتنا، وأسمائنا، وانتماءاتنا الدينية وأحيانا السياسية، ففي صعيد مصر يفرض على كل مولود هناك "الشهامة" و"المروءة" و"الغيرة الشديدة على المال والعرض"، كما يفرض عليه اسمه، وفي سيناء يفرض على أهلها "الانتماء" و"الاعتزاز بالأصل والنسب، وفي محافظات الريف يفرض على أهلها المحافظة والانغلاق، وفي محافظات الحضر يفرض على أهلها الانفتاح والتعدد، كلها موروثات أُجبر أهلها على اعتناقها والتحلي والإيمان بها.

هذه القيم النبيلة كان ينقصها شيء وحيد، وهو أن تكون نتاج تفكير منطقي، واقتناع باطني، كان ينقصها أن يرى المؤمن بها ويتعرف على نقيضها ليعلم أنه اختار الصواب، ويكف عن الاعتقاد بأنها مجرد قيم فطرية، لا يوجد لها نقيض، ولا توجد لها أي طريقة أخرى، فقط لأنه رأى مجتمعه الصغير يقوم بذلك، فسيقوم به هو الآخر دون سؤال أو نقاش!

هذه المعضلة نستطيع أن نصفها بالعامية المصرية بجملة "حافظ مش فاهم"! وبالمناسبة هي ليست موجودة فقط في مجتمعات العرب والشرق الأوسط، بل توجد في شتى المجتمعات، القاصية منها والدانية، الشرقية منها والغربية، قليلا ما تجد مجتمعًا يتحلى أفراده بالتفكير النقدي الذي يطال كل شيء، حتى الموروثات والثوابت والمسلمات التي تربى عليها وتربى عليها غيره، تفكير نقدي خالٍ من أي تحيز أو مناصرة، تفكير يصل إلى القيم والأخلاق السليمة بالحجة والدليل والمنطق والضمير الباطن في جوف عقله.

في مجتمعاتنا العربية، وفي مصر على وجه الخصوص، تجد الثوابت راسخة متجلية وكأنها هرم رابع يقف منتصبًا جوار إخوته في الجيزة، أو معبد عتيق شيده الآباء من آلاف السنين وما زال الجميع يتردد عليه ليستقي منه مفاهيمه، في مصر يؤمن المجتمع بمجموعة من القيم والأفكار تهوي به إلى الدرك الأسود من سلم الرقي، وهذه مجموعة من الأفكار الراسخة في عقول الكثير من المصريين:

يعتقد المجتمع المصري دائما أنه محور الكون، وأن العالم كله يتآمر عليه طوال الوقت ولا ينام الليل ساهرًا في تدبير المؤامرات وحياكة المصائب له، يؤمن إيمانا راسخًا بأن كل الإخفاقات التي نمر بها ليست سوى صنيعة الـCIA، وليس -لا سمح الله- بسبب فشل الإدارة وفساد الساسة الذين يسوسونهم، يؤمن بأن أمريكا وبريطانيا خطفوا منا أحمد زويل ومجدي يعقوب وغيرهم من العلماء والمفكرين الأفذاذ لأنهم يخافون نهضتهم وتقدمهم، يؤمن بأنه يوجد العشرات من المخططات التي رسمت وترسم كل يوم لإيقاع مصر وتقسيمها! وعندما تسأله عن المصدر فالجواب بسيط "مذكرات هيلاري كلينتون"!

يعتقد المجتمع المصري أن الرياضة والموسيقى والفنون عموما هي مجرد ترّهات ومضيعة للوقت، ونستطيع أن نلمس ذلك في حديث أي رياضي أو ممثل أو أي شخص يتحلى بأي موهبة، فدائما ما يتحدث عن الصعوبات والتحديات التي واجهها مع ذويه حتى يتركوه يظفر بما يحب، دائما ما يتحدث عن الرفض الشديد الذي استقبله من أهله عندما أخبرهم بأنه يملك موهبة ما في مجال معين ويريد أن يصقلها، دائما ما نسمع جملة "دعك من هذا الكلام الفارغ، وركز في دراستك ومستقبلك" في حديث الكثير بهذا الصدد.

"إنه مسيحي ولكنه شخص محترم"!، دائما ما تأتي الصفات الحميدة بعد ذكر "لكن"، وكأن كون الإنسان مسيحيا يحقر من شأنه، ويقلل من شخصه، وكأن كونه شخصا ناجحا أو ذكيا أو ودودا أو شهما أو صادقا أو أمينا لا يشفع له مسيحيته!

يعتقد المجتمع المصري أن الأطباء هم صفوة البشر وأرقى الناس وأكثرهم حكمة ونبلا بينهم، لا يتمهل المصري حتى يرى صفات ذلك الطبيب أو أخلاق ذاك، يكفي أنه درس الفسيولوجي والباثولوجي في الجامعة، هو بالطبع إنسان من طينة أخرى! ولا يتحرج من أن يستعمل هذا المعيار العجيب في حياته ومعاملاته، فيفضله في الزواج وفي الجوار وفي الصداقة؛ ولذلك أصبح الالتحاق بكلية الطب هو حلم كل طالب، وتضاعف الإقبال على دراسة أي مجال يطلق على العامل فيه لقب "طبيب" أو "دكتور"، ليس حبا في هذا النوع من الدراسة، ولكن طمعا في الحصول على هذه الحفاوة والإجلال التي يحظى بها الدكتور!

يعتقد المجتمع المصري -الذي يغلب على معظم أفراده الدين الإسلامي- أن كون المرء مسيحيا هو عيب في حقه، أو شيء ينتقص من قدره، وكثيرًا ما يواجه المسيحيون العديد من المضايقات في الشوارع والمعاملات، دائما ما نسمع جملة "إنه مسيحي ولكنه شخص محترم"!، دائما ما تأتي الصفات الحميدة بعد ذكر "لكن"، وكأن كون الإنسان مسيحيا يحقر من شأنه، ويقلل من شخصه، وكأن كونه شخصا ناجحا أو ذكيا أو ودودا أو شهما أو صادقا أو أمينا لا يشفع له مسيحيته!، وكأن المسيحي مواطن من الدرجة الثانية يجب عليه بذل مجهود أكبر حتى يصبح من مواطني الدرجة الأولى!

هذه الأفكار العقيمة لا يمكن أن تجدها سوى في أذهان الجهلة والسذج، أعلم أنها بدأت في التلاشي تدريجيا، أعلم أن مواقع التواصل الاجتماعي والثورة التكنولوجية التي انطلقت منذ بداية عقدنا الحالي سهلت الحصول على المعلومات والمعارف، سهلت الاطلاع على الثقافات والحضارات المتقدمة والاختلاط بها والتعلم منها والتأثر بها، أعلم أن تخلصنا من هذه القيود التي تعيقنا عن المضي صوب الرقي والتحضر هو مسألة وقت لا أكثر، ولكن المشكلة أن -بسبب الفقر وشظف العيش- هناك العديد من الجوقات التي ما زالت تعيش في ظلمات الجهل، بعيدة تماما عن أي وسائل تثقيف حديثة، جوقات ما زالت أسيرة لهذه الأفكار والموروثات البالية العتيقة، جوقات تعاني كل يوم وكل ساعة وهي لا تدري أن سبب معاناتها هي هذه الأفكار التي لم يخطر على بالها يوما أن تحاول حتى مراجعتها، لعلها تكون خاطئة!