مِن إرثِنا المفقود!

blogs - غرناطة المغرب

قبل أيام قلائل دخل عليّ صديقي القادم من عمان الثقافة والعلم حاملاً بيده اليمنى المزهوة بساعة الرولكس التي أهداها له والده، رواية ثلاثية غرناطة الرواية المشهورة لرَضوَى عاشور الروائية المصرية قال: "هذا نصيبك من الهدايا، وضعها على المكتب ثم خرج".
 

كنت قد قرأت قبلها شيئاً عن هذه الرواية التي تحكي حال الموريسكيين أو المورسكوس باللغة القشتالية وهم المسلمون الذين بقوا في إسبانيا تحت الحكم المسيحي بعد سقوط المملكة الإسلامية وخُيروا بين اعتناق المسيحية أو ترك إسبانيا.
 

كانت الرواية في جدولي الذي أضعه كل شهر أو اثنين لمجموعة من الروايات والكتب التي سأقرؤها لا تزيد عن ثلاثة. بدأت أتصفح صفحات الرواية التي هي ثلاثية روائية تتكون من ثلاث روايات وهن على التوالي: غرناطة، مريمة والرحيل، والتي لا تزيد عن الـ٥٠٠ صفحة.
 

تأخذ الكاتبة كل تفصيل في حياة عائلة أبي جعفر وكل ما يتعلق بها من أماكن أو شخوص واصفةً حالهم المبكي، حيث تبدأ أحداث الثلاثية في عام 1491 وهو العام الذي سقطت فيه غرناطة.

وقعت في حب الرواية من الوهلة الأولى إلا أنني سرعان ما ذرفت الحب دمعاً كلما قلبتُ صفحاتها طاوياً صفحة وراء الأخرى غير مبال بالوقت. تصوّر لنا الرواية حال المسلمين في الأندلس إبان حكم القشتاليين خلال القرن السادس عشر متمثلة في عائلة أبي جعفر التي تقطن البيازين، وهو حيّ عريق ذو أصل أندلسي بغرناطة يُعد اليوم وجهة أساسية لكثير من الزوار الذين يقصدونه لمكانته التاريخية والمعمارية ولمناظره الطبيعية. فهو مقصد سياحي بالدرجة الأولى خاصة عند المسلمين الذين بنى أجدادهم هذا الحي.
 

تأخذ الكاتبة كل تفصيل في حياة هذه العائلة وكل ما يتعلق بها من أماكن أو شخوص واصفةً حالهم المبكي، حيث تبدأ أحداث الثلاثية في عام 1491 وهو العام الذي سقطت فيه غرناطة بإعلان المعاهدة التي تنازل بمقتضاها أبو عبد الله محمد الصغير آخر ملوك غرناطة عن ملكه لملكي قشتالة وأراجون وتنتهي بمخالفة آخر أبطالها الأحياء عليّ لقرار ترحيل المسلمين حينما يكتشف أن الموت في الرحيل عن الأندلس وليس في البقاء.
 

لثلاث ليال لم تنم غرناطة ولا البيازين. تحدث الناس بلا انقطاع ليس عن المعاهدة بل عن اختفاء موسى بن أبي الغسان فارس غرناطة الذي قال كلاماً مدوياً بعد توقيع وثيقة تسليم غرناطة ثم امتطى حصانه ولم يُعرف له أثر بعدها، قال: "إن الموت أقل ما نخشى، فأمامنا نهب مدننا وتدميرها وتدنيس مساجدنا وأمامنا الجور الفاحش والسياط والأغلال والأنطاع والمحارق، وهذا ما سوف تراه تلك النفوس الوضيعة التي تخشى الآن الموت الشريف، أما أنا فوالله لن أراه".

كان الأمل بالنسبة لأبي جعفر كالقلادة يرتديها حول عنقه أينما حلّ وارتحل إلى أن مات مهموماً بعد المنظر الذي رآه لرجال ديوان التحقيق وهم يجمعون الناس إلى ساحة الرملة وسط البيازين بعد أن جمعوا كل كتب القرآن والكتب المكتوبة باللغة العربية وأشعلوا النار فيها، كان قلبه يحترق مع كل صفحة من قرآن أو كتاب تُحرق وكان هذا آخر مشهدٍ يراه.

كانت أم جعفر وزوجة ابنها أم حسن وحفيديها حسن وسليمة هم من يشغلون بيتهم في حي البيازين بعد رحيل أبي جعفر تاركاً حانوته في حي الوراقين بيد نعيم وسعد، ليتزوج بعدها الأخير من سليمة ويسكن معهم دار البيازين بيد أن خلافاً يقع بينه وبين حسن الذي يتزوج من مريمة ابنة المنشد أبي ابراهيم الذي كان ينشد السير والبطولات، يدفع هذا الخلاف بسعد إلى أن يغادر البيازين إلى الجبال مع المجاهدين الأحرار. ما إن ينقضي ليل حتى يأتي نهار أسوأ منه تتوالى الأخبار تلو الأخبار التي لا تسر بالطبع والمسلمون يتنصَّرون!
 

وفي ظهيرة يوم شؤم لهم كان رجال ديوان التحقيق يفتشون كل ركن وزاوية في بيت أبي جعفر. فحصوه ونقبوا فيه كأن ابن حرام اصطنع من خياله فرية عن سلاح مخبوء أو كنز. لم يخطر ببال مريمة أنهم يقصدون سليمة، فما شأن ديوان التحقيق بامرأة مثلها؟ فتشوا حجرتها وكان أحدهم يكتب كل ما يجده من أعشاب وقوارير وكتب، ثم جمعوا الأشياء في جوالين كبيرين وقيدوا سليمة وحملوها في قفة! سليمة التي كانت تداوي كل مريض ومريضة في البيازين اتهموها بأنها ساحرة تمارس شرّها على حياة الخلق الطيبين !

نالت سليمة من التعذيب ما لا يحتمله الرجال، قبل أن يدخلوها على المحققين جاءوا بامرأة كالعملاق قصت لها شعرها وأمرتها بخلع ملابسها حتى صارت عارية كما ولدتها أمها، ثم راحت المرأة تجوس بيديها تحت إبطيها وبين فخذيها، وفي فتحات الأنف والفم، والفرج والشرج، باحثة عن ماذا؟ هل هو عبث أم جنون؟ وفي قاعة المحاكمة كان عليها أن تدخل بظهرها، إلى الوراء على عكس سنة مخلوقات الله! ممّا اتهموها به، أنها كانت تعاشر التيس الذي كان مرسوماً على ورقة وجدوها في حجرتها، وأن ابنتها عائشة هي الدليل على معاشرتها للتيس!
 

بينما كان مسلمو الأندلس يمنون النفس بأحلامهم التي كانوا يظنون أنها رؤيا وبشرى خير، جاء قرار ترحيلهم من الأندلس، نعم تلك الدور والأحياء والحواري التي ولدوا وترعرعوا فيها عليهم تركها الآن جبراً وإلا يقتلون.

في يوم النطق بالحكم ساقوا سليمة مقيدة إلى ساحة باب الرملة وسط الجموع المحتشدة، لم تكن تتطلع إلى من حولها بل شغلتها أفكارها. سيحكمون عليها بالموت، فلماذا لا تتزعزع أحشاؤها خوفا، هل لأنها سلمت أمرها لله ككبار المؤمنين الذين تضيء السكينة والقبول قلوبهم حتى وإن لم يكن قضاء الله مفهوما أو مقبولا؟
 

حكم على سليمة في ميدان باب الرملة أنها كافرة لا توبة لها، عقابها الموت حرقا أمام هذه الجموع المحتشدة، فيهم عيون قشتالية تبتسم مزهوة تتهيأ للفرجة! لم تتطلع إلى أخيها حسن وزوجها سعد رغم أنها كانت تسمع صوتاً كأنه صوته.
 

وبينما كان مسلمو الأندلس يمنون النفس بأحلامهم التي كانوا يظنون أنها رؤيا وبشرى خير، جاء قرار ترحيلهم من الأندلس، نعم تلك الدور والأحياء والحواري التي ولدوا وترعرعوا فيها عليهم تركها الآن جبراً وإلا يقتلون…
 

لاقى الموريسكيون المطرودون من الأندلس معاناة شديدة، إذ أن رحلة الخروج كانت مليئة بالمتاعب والشقاء. حتى إن الكاتب آثنار كردونا في كتابه "تبرير طرد الموريسكيين الإسبان" يصف خروجهم هذا ويقول: "لقد اختلط المشاة بالركبان، ومضى الجميع ينفجر من الألم والدموع، ما بين عجائز وأطفال، يغطيهم التراب ويتصبب العرق منهم، يشعرون بالضياع والتعب، بسبب المحن". ويزيد خوان ريجل في كتابه "دراسات حول الموريسكيين" "وفوق ذلك كانت هناك عصابات نصرانية من اللصوص والقراصنة تشكّلت لمهاجمة الموريسكيين ونهب ثرواتهم بل وقتلهم أحيانًا." إلا أن آخر أبطال الرواية الأحياء عليّ قرر الهرب منهم والعودة بعد أن اكتشف أن الموت في الرحيل عن الأندلس وليس البقاء فيها.
 

رحم الله سليمة التي تبقى الدموع تسيل عند ذكرها ورحم الله كل من مات منهم بحرقةٍ على شبر من أرضه التي سُلبت عنوةً وظلماً ولا ننسى أن مرادنا غالٍ ولكل شيء ثمنه، لكل شيء ثمنه!