من ثمارهم تعرفونهم (9).. حصاد الحصاد

blogs - salafi

(والبلد الطيب يخرج نباته بإذن ربه، والذي خبُث لا يخرج إلا نَكِدًا)

 

 (1)

كثيرةٌ هي الثمار التي حصدناها، ورجعنا عليها في المقالات السابقة بالنظر في علاقتها ببذورها القريبة، مبينين علاقات الصوت والصدى، والتأثير والأثر.

 

لقد انطلقنا في هذه السلسلة من الشعور بالمشكلة، الذي يعتبر أول حلقات المنهج العلمي، وأول الأفضال الإلهية العرفانية التي يلهم بها الله الإنسان أن هناك خللًا ينبغي أن يراعيه. إنها نعمة الألم التي ينتبه بها العليل لمرضه، الذي لولاه لمات غالب بني آدم دون أية محاولة للنجاة. ولولا مرارة تلك الثمار لما انتبهنا للزوم أن ننظر إلى الأسباب التي رجعت بنا إلى ذلك الخلل الذي نعيشه يوميًّا، وإلا كان البديل مزيدًا من الخلل والفساد الذي يسببه التعامي والتستر.

وكما شرحنا من قبل كيف كانت تلك الآفات ثمارًا لبذور سبقتها؛ فكذلك تلك الثمار أضحت بذورًا لثمار الفشل والعجز التي نحياها، وهكذا يتسلسل الحصاد النكد. وهذا موضوعنا الجديد عن حصاد الحصاد.

 

مظاهر الفشل والعجز والفساد – الذي يظهر بما كسبت أيدي الناس – مستشرية في المجال الإسلامي بما تزكم رائحته الأنوف. والطريف أن التيارات جميعها متفقة أنها جميعا – كل على حِدَة – مصيبة، أدَّت ما عليها قدر المستطاع، كل فرقة تلعن أختها، وكل حزب بما لديهم فرحون. الفساد كله من الآخرين، سواء أكانوا الإسلاميين أو غير الإسلاميين. وربما يجمجمون ببعض الأخطاء على استحياء، في مساحات آمنة، وذرًّا للرماد في العيون. لقد تكلَّسوا إلى الدرجة التي لا يجرؤون فيها على التفكير، والرجوع إلى أنفسهم بأن لهم نصيبهم من الفساد غير منقوص.

 

(2)

تشترك التيارات الحركية مع الجهادية في فقر نظرها الواقعي وقصور موازناتها وتدبرها في المآلات، وهرولتها خلف السراب، ومقامرتها في أغلب الأحيان باختيار خيارات كارثية، كما في التصورات الجهادية عن جلب العدو البعيد

هذه الفرق والتيارات، حتى عندما تدافع عما تعتقده حقًّا، وتنفي عن نفسها أخطاءها؛ لا تدافع عن حقها بالحق غالبا. فإنهم في عامتهم يتترسون بدفاعيات مستميتة، بالحق والباطل، مع البغي فيهما، على من يحتسب عليهم، أو يخالفهم، ولو كان مجتهدا معذورًا، أصاب الواجب عليه عند الله. فليس كل صاحب حق – إذا صح أنه صاحب حق – يكون مثابًا إن دافع عن حقه.

 

 بل لا يُحمد ذلك إلا إذا كان بالعلم والعدل، أما إذا:

كان صادرًا من ظالم مفرط في حق مخالفه، يتبع هواه، يبتغي الانتقام والعقوبة؛ و(ما أكثر ما تفعل النفوس ما تهواه ظانة أنها تفعله طاعة لله) كما يقول ابن تيمية؛ لم يكن ممدوحًا فضلا عن أن يكون مثابًا عليه، فإن: (الرد على أهل البدع من الرافضة وغيرهم: إن لم يقصد فيه بيان الحق وهدى الخلق ورحمتهم والإحسان إليهم؛ لم يكن عمله صالحا.

 

 وإذا غلّظ في ذم بدعة ومعصية؛ كان قصده بيان ما فيها من الفساد ليحذرها العباد، كما في نصوص الوعيد وغيرها.  وقد يهجر الرجل عقوبة وتعزيرا، والمقصود بذلك ردعه وردع أمثاله، للرحمة والإحسان، لا للتشفي والانتقام)، كما يقول هو أيضا.

 

 أو كان صادرًا من جاهل غير متأهل، لا يكفيه صحة نتيجته – على فرض ذلك – عن بطلان بحثه وضعفه، وغمط مخالفه، فإنه (لا بد أن تُحرس السنة بالحق والصدق والعدل، لا تُحرس بكذب ولا ظلم، فإذا رد الإنسان باطلاً بباطل، وقابل بدعة ببدعة، كان مما ذمه السلف والأئمة(، كما يقول ابن تيمية نفسه.

 

ويقول ابن تيمية في نص نفيس، يجسد تلك الحالة الثانية: (هكذا يصيب أصحابَ المقالات المختلفة، إذا كان كل منهم يعتقد أن الحق معه، وأنه على السنة؛ فإن أكثرهم قد صار لهم في ذلك هوى أن ينتصر جاههم أو رياستهم وما نسب إليهم، لا يقصدون أن تكون كلمة الله هي العليا، وأن يكون الدين كله لله، بل يغضبون على من خالفهم، وإن كان مجتهدا معذورا لا يغضب الله عليه، ويرضون عمن يوافقهم، وإن كان جاهلا سيء القصد، ليس له علم ولا حسن قصد، فيفضي هذا إلى أن يحمدوا من لم يحمده الله ورسوله. ويذموا من لم يذمه الله ورسوله. وتصير موالاتهم ومعاداتهم على أهواء أنفسهم لا على دين الله ورسوله)

قلت: وهذا حال غالب من ترى اليوم يزعم الانتساب للسنة والسلفية – ولا تغفل عن مصطلحات الحراسة ومسبعة السُّنة الهجومية التي توزع ألقاب الأسد والسيف وأمثالها من الضواري وغيرها من الألفاظ المرعبة المعبرة عن الانغلاق الشعوري. فإنهم يفرحون بمن يوافقهم ولو كان جاهلًا يرد على عالم مخالف هو معذور في مخالفته، وصاحبهم ليس معذورا في تعالمه وظلمه، ويغضبون على من يخالفهم ولو كان مستحقًا للفضل. لم يجدوا الشيخ الناصح الذي قال لقريب منه حين كان يرد على من هو أعلم منه – قصة البكري وابن تيمية -، بقطع النظر عن اعتقاده الصواب مع من: اسكت، (أنت لا تحسن أن تتكلم).

 

(3)

التيارات السلفية العلمية والحركية ضربت بسهم واسع في الخلل العلمي. فالأولى – السلفية – قدمت خطابًا علميًّا ودعويًّا فقيرًا قاصرًا، تبنى دعوى – الاجتهاد – دون أن يملك مقوماتها، وصال بها على تراث المسلمين وعلمائهم، ضاربًا بما لا يعجبه من ذلك عُرض الحائط، مستهينا به مقللًا من قيمته بلسان الحال والمقال، مصدِّرًا غير المؤهلين للكلام في العلم والافتئات على العلماء، مشيعا للتعالم، معتبرًا حزمة من اختياراته هي السنة وفقه الدليل وخلافها البدعة التي لا دليل عليها، مع التشنيع على مخالفهم بالابتداع ومخالفة الدليل والتمييع والتفلت من النصوص وقلة الالتزام والورع، فكان نتاجه العلمي الظاهري السائل مزيجًا من التعصب والغلو والتنطع والتشدد في سد الذريعة ومسائل المرأة، وخطاب الكبت، والعمى عن المآلات وعموم البلوى، والجهل بالواقع، وتجاهله أحيانا، والعزلة والتقوقع، وخطاب العامة بما لا يصلح لهم ولا يصلحهم، والغلو في الاهتمام بالظاهر على حساب الباطن، وهدر الخلاف والمخالفين وغمطهم وظلمهم مع قلة التعاذر وتفريق القلوب وإشاعة الفتن، حتى أنكر ذلك الخطاب أشياء من المتفق عليه، ثم ادعى أنه السنة، وأن المسلمين على خلافه منذ قرون.

 

 أما التيار الحركي، في صوره المختلفة، فهو وإن تخلص من مشكلات التشدد والغلو السابقة، وذلك لطابعه التجميعي لا لانفتاح أفقه العلمي بالأساس، فهو يتشدد فيما يصادم مقولاته الحركية أيضا؛ إلا أنه خرج من مشكلات التشدد والغلو السابقة إلى حد السيولة العلمية، وضعف التحرير العلمي وركاكته وغلبة الطابع الأدبي والعاطفي، وغلبة المقولات الحركية على التأسيس النظري المسوغ لها.

 

ومن ثَمَّ فإن من تأمل يجِدْ: أنه لا يبلغ أحد في العلم مبلغًا كبيرا إلا ووجب أن يفارق الحركية ولو في شقها التنظيمي التكتلي على الأقل. وأنه لا يتحقق أحد في العلم تحققًا صحيحًا إلا ووجب أن يفارق السلفية المعاصرة، قلَّت مفارقته أو كثرت، ثم يرجع كم المفارقة إلى عوامل أخرى بالإضافة للتحقق في العلم، كالسمات النفسية، والسياقات الاجتماعية.

 

(4)

أبرز ما فشلت السَّلفيَّة الجهادية في تحقيقه هو التوحد مع الأمة والاندماج معها وجرها إلى مشروعها، فما حصل في كثير من الساحات هو فشل السَّلفيَّة الجهادية في إقناع الناس بمشروعها، فتحولت إلى تنظيمات أُصوليَّة شاذة منبوذة من مجتمعاتها

التيارات السلفية الجامية أو المدخلية، ورديفها السلفي العلمي والرسمي – جزئيا أحيانا وشبه كليٍّ أحيانا أخرى -؛ أضفت قدرًا من الشرعية على صنف من الحكام والمترأسين لم يقع قط في التاريخ الفقهي إسباغ صفة الشرعية على حكمهم مع تصريحهم العلني بترك الحكم بما أنزل الله، بل وحتى عقوبة وتعقب من يطالب به. حتى بلغت ذروة تلك التيارات في الوقوع في مستنقع الاضمحلال الأخلاقي، باستحلال دماء مخالفيهم، وكلامهم في أعراضهم، والشماتة بالمسلمين عامهم وخاصهم، وشيوع حب الظلم والظلمة فيهم حتى أشرب في قلوبهم شبه النفاق، لا يعرفون معروفًا ولا ينكرون منكرًا، ووجود الجسّ والتعاون الأمني فيهم، وتحولهم لأدوات قذرة بيد حكومات فاقدة الشرعية الدينية والكفاءة الإدارية في آن واحد. لا يشركهم في ذلك سوى التيارات الانسحابية من المتصوفة الطرقية الضالة، ومشايخ السلطان الأقحاح من الرسميين وأشباههم.

 

هذا مع انشغالهم بسلق مخالفيهم – ولو من نفس مدرستهم السلفية – بألسنة حداد، بجمع عيوبهم وترصدها، وتصنيفهم، وتبديعهم وتفسيقهم، والتشهير بهم، وإغراء الظلمة بهم للتنكيل بهم، مع ما هم في أغلبه من جهل فاضح ومخالفة للصواب فيما ينكرون، وما يصيبون فيه من قليل هم فيه باغون معتدون، لا تستلزم مخالفة مخالفهم ما يصنعون فيه.

 

(5)

وعلى الصعيد الاجتماعي؛ فإن تلك التيارات جميعها، وبصورة خاصة السلفية والإخوانية؛ قد صنعت مجتمعها الكبسولي الخاص، مجتمع الإخوة، أو الملتزمين، بأنشطته وتجمعاته، وحتى بمساجده مساجد السنة ومساجد الإخوة؛ الذي له تقاليده الخاصة وأحكامه الخاصة. ذلك الجيتو السلفي أو الإخواني، بما له من معجم لفظي مختلف، ولباس مختلف، وعادات مختلفة، ذلك الكيان العاطفي والهوياتي الذي يعيش الاغتراب الاختياري ويتلذذ به، ويعيش عزلة شعورية واجتماعية عن محيطه، لا يتعامل معه إلا على قدر الحاجة، وبمنطق الصياد والسنارة، بغرض اجتذاب أعضاء جدد في سفينة الخلاص، حيث تشيع النقاوة والطهورية المتوهمة، بما تورث من أمراض القلوب وفسادها بالكبر والاعتلاء على خلق الله، وتصنيفهم حسب معايير منتقاة للتدين (الالتزام) غالبها بل عامتها مظهري – لا ينتبه في ذلك السياق إلى أن الكبر والغيبة كبائر، وأنها أعظم من حلق اللحية مثلًا -، والتفريط بناء عليها في حقوق المسلم الواجبة له بمجرد إسلامه فضلًا عن التقي منهم لكنه ليس خاضعًا لمسطرة اشتراطات الالتزام. وحتى المقصرون والعصاة يتعامل معهم بمنطق الحيوانات المريضة ضحية العزل الصحي، لا يستهدفون تحسين تدينهم العام بقدر ما يرغبون في ضمهم للمصفوفة الفكرية الخاصة بهم وإلا لم يعتنوا بهم بل وأزروهم وتجنبوهم، فالدعوة في ذلك التصور تتخذ صورة الوسيلة التنظيمية – ولو لا شعوريا -، لا الغاية المقصودة في نفسها لكل أحد لتحسين دينه بأقصى ما يمكنه أن يتحسن، ولو كان دون المطلوب.

 

الأمر يخف قليلًا مع التصورات الحركية، نظرًا لقلة مقولاتها النظرية، فتخففها نابغ من تخففها النظري بالأساس. إلا أن كثيرًا من الآفات السابقة توجد في خطاب تلك الحركيات الاجتماعي والدعوى، ولكن في صورة تنظيمية تقريبًا كما عند الإخوان المسلمين وما يشبهها. كما يشهد خطابها الدعوى والاجتماعي تفريطًا في كثير من البيان والحق مقابل الإفراط الذي عند السلفية. نعم إنها تحاول تفعيل التواصل الاجتماعي والخدمي أكثر من غيرها، مع أنها تختار في كثير من الأحيان طريقة الانتشار الرأسي في المجتمع عن طريق استهداف بعض الوظائف ومستويات التعليم المرتفعة نسبيًّا بالتوغل، دون المستوى الأفقي الذي يلتحم بعموم الناس حقًّا، وليس فقط على مستوى شراء الولاءات بالمساعدات كما يقع كثيرًا. وعلى كل حال: يبقى دائمًا خلل التفريق بين المجتمع العام والمجتمع الخاص للإخوة، فللخاص من الحقوق ما ليس لغيره، وله من الأولوية والتقديم ما ليس لمن خارجه.

 

(6)

أما التيارات الحركية في اشتغالها الواقعي، فهي في ضياع مستمر، في مشروعها، وفي وقودها من الشباب والأتباع. أفلت مشروعاتها السياسي وتفتت على صخرة الواقع القاسي وضعف الإمكانات وفقر الأدوات. أما شبابها فألهتم بما لا ينفعهم بل يضرهم، وصرفتهم عن الاشتغال بما يصلحهم ويؤثر في دوائرهم القريبة، صنعت منهم مجموعة من البطالين المتكلمين في الدين بغير علم وفي الواقع بغير فهم، والحال أن من تطبب بغير طب فهو ضامن.

 

تشترك التيارات الحركية مع الجهادية في فقر نظرها الواقعي وقصور موازناتها وتدبرها في المآلات، وهرولتها خلف السراب، ومقامرتها في أغلب الأحيان باختيار خيارات كارثية، كما في التصورات الجهادية عن جلب العدو البعيد وتذعيره إلى ديار المسلمين لتخريبها وقتالهم على أنقاضها، وذلك يرجع في أغلب الأحيان إلى فقر امتلاك الأدوات العلمية اللازمة للموازنات، فضلا عن اشتباك المجالات المعقدة التي تشتغل فيها تلك التيارات، وهي مجالات السياسة الدولية بتجاذباتها وتركيباتها المتغيرة. وكذلك يرجع هذا الخلل إلى عوامل نفسية وعاطفية غير سوية عند بعض المترأسين في تلك التيارات.

 

(7)

أما خصوص التيارات القتالية، فإن ثمراتها حديث الساعة الآن، مشاهدتها تغني عن الحديث عليها. فقد شاع فيها وأشاعت الغلو والقسوة، والتكفير والقتل، والتحزب والانقسام، وصدت عن سبيل الله المسلمين والكفار.

 

وأكتفي هنا بنقل حسن، لجهادي عاش تلك التجربة المريرة، وغرق في مستنقع غلوها وتفرقها، ولكنه من تلك الندرة الشجاعة التي فتحت عينيها تحت الماء. إنه أبو أيمن الحموي – رحمه الله – الذي رصد ذلك الواقع الوخيم في ورقة نقدية له بعنوان (أليس منكم رجل رشيد). وكل الآتي على لسانه.

 

الغلو لـم يظهر في جماعة الطالبان الحنفية مع أن جميع المقومات التي ظهرت في الساحات الأخرى وأنتجت الغلو موجودة مع زيادة في الساحة الأفغانية خاصة وجود فرقاء متناحرين متقاتلين فيما بينهم مع تواجد للصليبية العالمية في تحالف ضم أكثر من 35 دولة

(إن السَّلفيَّة الجهادية التي تسنمت مراكز القيادة والسيادة في الساحات الجهادية فشلت فشلًا ذريعًا وأخفقت إخفاقًا حادًا، في حل مشكلة الأمة مع كونها بذلت الدماء والأشلاء وفارقت الأهل والأوطان وقاست غياهب السجون والمعتقلات؛ ولم تفلح إلا في ضرب أمثلة الشجاعة والفداء وإذكاء روح الجهاد في الأمة، إضافةً إلى مناصرتها للمستضعفين من المسلمين الذين صالت عليهم الجاهلية وخذلتهم الأمة الإسلاميَّة، لكنَّها جنت على المشروع الإسلامي أيما جناية ودمرته ونفرت الناس منه بل وفرخت في الساحات التي تمكنت فيها أصنافًا من الغلاة والخوارج عاثوا فسادًا في الأرض وولغوا في دماء الأمة ونفروا الناس من الإسلام وأجهضوا المشروع ورموهم في أحضان الطواغيت).

 

(أبرز ما فشلت السَّلفيَّة الجهادية في تحقيقه هو التوحد مع الأمة والاندماج معها وجرها إلى مشروعها، فما حصل في كثير من الساحات هو فشل السَّلفيَّة الجهادية في إقناع الناس بمشروعها، فتحولت إلى تنظيمات أُصوليَّة شاذة منبوذة من مجتمعاتها، ممَّا سهل على الجاهلية عزلها عن مجتمعاتها ثم تصفيتها، وسنرى في ثنايا هذه الدراسة بإذن الله ما هي أسباب فشل هذا التيار في إقناع عوام المسلمين بمشروعه كونه بنى هذا المشروع على أسس نخبوية مستعلية على الناس، ولم يحاول امتلاك المقومات الطبيعية لبناء دولة الإسلام التي ينشدها).

 

ويعدد ((مظاهر الانحراف في السَّلفيَّة الجهادية))، في: (1) الكبر، وهو بطر الحق وغمط الناس، (2) عدم الرفق بالمخالف، (3) إسقاط جميع المرجعيات إلا ((مشايخ الجهاد)) واتخاذ رؤوس جهال أصحاب هوى، (4) الجهل المركب، و(5) الحزبية المقيتة، (6) عدم قبول النصيحة، (7) ضعف التربية الربانية واتباع الهوى، (8) الخواء الفكري.

 

ليختم بتساؤل تأسيسي، نسأله معه: (هل سرق ((المنهج)) في كل مرة، أم أنَّ هذا المنهج طالما بقي مستندًا لنفس الأسس والضوابط التي تكلمنا عنها سيبقى ينتج لنا الجهل والغلو وعقيدة الخوارج؟!

 

بصراحة كون المنهج يسرق في كل مرة وفي كل ساحة ولم تسلم ساحة من الغلاة أبدًا، كل هذا دليل على أن بذور الخلل تكمن في المنهج نفسه، بدليل أن الغلو لـم يظهر في جماعة الطالبان الحنفية مع أن جميع المقومات التي ظهرت في الساحات الأخرى وأنتجت الغلو موجودة مع زيادة في الساحة الأفغانية خاصة وجود فرقاء متناحرين متقاتلين فيما بينهم مع تواجد للصليبية العالمية في تحالف ضم أكثر من 35 دولة، كل ذلك لـم يدفع طالبان إلى الغلو والتطرف واستباحة دماء المخالفين بغير وجه حق، ولا حتى للانعزال عن الأمة الأفغانية، بل على العكس من ذلك تمامًا ظلت متماسكة مع الشعب واستعصت على أشرس حملة صليبية عرفها التاريخ ضد دولة مسلمة وظلت صامدة متماسكة، ويرجع ذلك بصراحة مؤلمة بعض الشيء إلى أنها لـم تتخذ المرجعية السَّلفيَّة بمفهومها الحالي دليلًا على الإطلاق، وقد أثبت منهجها – على ما قد يكون فيه من انحرافات وبدع لـم تخل منها الأمة منذ عصر الخلافة الراشدة – أنه عصيٌ على ((السرقة)) من أصحاب الغلو، وهذه ظاهرة جديرة بالدراسة والتأمل!).

 

(8)

لقد تناولنا كثيرًا جدل البذور والثمار من زاوية الأثر والتأثير، ومن زاوية التبرير. لم يبق إلا ثمرة أخرى أفرزتها عموم التيارات في سياق جدلها الدفاعي المستميت: وهو خطاب التنصل. هذه الثمرة المطوَّرة؛ سنفردها في حلقتنا القادمة – الأخيرة – من تلك السلسلة، لأنها تجمع مع كونها ثمرة؛ أنها عائق أساس من البصر والفهم.

إعلان

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.


إعلان