نظرت إلى الشمس فإذا بها تعلن أن هذا اليوم لم يبق منه إلا دقائق معدودات، فالساعة ساعة الغروب؛ ومع كل غروب تطرق ذهني ذكرى الغروب. أقصد بالأولى غروب الشمس، وبالثانية غروب الحضارة التي أشرقت ذات يوم على جزيرة العرب؛ فكانت حضارة لا شرقية ولا غربية! كانت حضارة إنسانية.
ها هي أشعة الغروب إذن، بلونها الساحر تنعكس على ما في أرض الله من شجر وحجر وبشر، فيبدو كل شيء متوهجا. إنها جنة الله في أرضه. كنت وحيدا في المقاعد الخلفية للحافلة التي تقطع منعرجات الطريق الوطنية رقم 2. وكنت أقرأ الخارج بعيون لا كعيون السائح القادم مما وراء المتوسطي؛ وإنما بعيون من عاش البداوة، وشيئا من الحضر، وأطل برأسه على حضارة الغرب من خلال السطور..
كأني نظرت فرأيت فلاحا بمحراثه الخشبي يلوح بسوطه على ثور وبقرة يجران المحراث ببطء ممل، غير مبالين بضجيج الطريق ولا بساعة الغروب. وتستمر الحافلة في شق المنعرجات، وها هي امرأة تطبخ خبزها في فرنها الطيني المنتصب عاليا في السماء الفسيحة كراية النصر.. كانت المرأة تحمل طفلا في ظهرها، وآخرون يكبرونه كانوا يلعبون ويأكلون الخبز الطري الساخن. وتستمر الحافلة في شق المنعرجات.. رأيت امرأة فأعجبني زيها الجبلي التقليدي. كانت تتزين بمنديل وحزام تقليدي، وتشد إلى خصرها فأسا حديدية، أما رفيقاتها فكن يحملن على ظهورهن أكواما من الحطب ليس من الهين حملها.
| مشكلتنا أننا لا نرى الأمور إلا بعين الآخر وقلما نحاول استعمال أعيننا لنرى الحقائق كما هي، وتلك أزمة المعيار التي أصابتنا فشلت حركتنا الحضارية، وجعلت منا أمة لاهثة وراء السراب. |
قد تبدو مشاهد من هذا القبيل؛ تذكرة بالتراث، والموروث، والتقاليد، والبدائية في العيش. لكنها في نظري تمثل أرقى أشكال المقاومة والممانعة والصمود. إنها مقاومة تتحدى العالم وتقف في وجه الأمواج العاتية التي تجرف ما تبقى من إنسانية الإنسان باسم الحضارة والموضة والعصرنة. فتلك المرأة بأسمالها البالية الرخيصة الثمن تقوم بمقاومة أعتى الشركات المتعددة الجنسيات التي جعلت من المرأة مجرد سلعة رخيصة الثمن تباع وتشترى، وكآلة إعلانية لتسويق فضلات الحضارة، أو ككائن لاهث وراء كل جديد من منتجات العصر المتطور.
ذلك الفلاح وتلك البقرة كلها رموز مقاومة شرسة، وتشبث بالذات قل أن يوجد حتى في كتابات من ينظِّر للمقاومة، إنها مقاومة للمعيار الواحد الأوحد الذي لا شريك له. أي: أن تعيش وفق نمط ومبادئ تكون خاضعة لي أنا الغرب الذي لا شريك لي، وإلا فلست إنسانا، ولست أهلا لأن تذكر إنك ما دون البشر.
وكما جاءت جحافل الاستخراب "الاستعمار" القديم بدعوى نقل الحضارة والديمقراطية إلى الهمج الرعاع؛ من الهنود الحمر، وسكان أفريقيا، وآسيا على مر قرون متعددة؛ تأتي إلينا الآن جحافل أخرى لتنقل إلينا "المعيار" الذي ينبغي أن نقيس به تحضرنا وإنسانيتنا، وتلك هجمة "استحمارية" على تعبير شريعتي.
فإذا كانت جيوش المستخربين تقاوم بالأسلحة، وحروب العصابات، وغيرها من أشكال المقاومة التي برع فيها القادة من أمثال: محمد بن عبد الكريم الخطابي، وعز الدين القسام، وعمر المختار وغيرهم كثير.. فإن دروس وخطط مقاومة الاستحمار والاستحلاب! لن تكون إلا على طريقة البدوي بمحراثه الخشبي. فإن كان الرجل لن يأتي بمحصول يحقق الاكتفاء الذاتي لأمته -وبوسعه أن يفعل- فإنه يستعمل أداة من صنع يديه! وتلك المرأة الرمز التي تلبس ما يعبر عن فلسفتها العميقة، وتصورها للوجود الحضاري. هي بحق أستاذة الحضارة! التي ينبغي أن يتتلمذ على يديها كل من يريد أن يفهم طريق النهضة. إنها مربية الأجيال، المرأة التي نريد. ويحق لنا أن نفتخر بها، وأن نرفع لها قبعاتنا احتراما لروحها الأبية.
مشكلتنا أننا لا نرى الأمور إلا بعين الآخر وقلما نحاول استعمال أعيننا لنرى الحقائق كما هي، وتلك أزمة المعيار التي أصابتنا فشلت حركتنا الحضارية، وجعلت منا أمة لاهثة وراء السراب.. لولا أن روح المقاومة لم تندثر بعد، وقد حمل مشعلها مقاومون أشداء، لا تزحزحهم رياح الشرق ولا الغرب. مقاومة قلما يلتفت إليها، وقلما توصف بأنها مقاومة حتى.. إنها مقاومة في عمق النسيان، ورجالها هم بحق مقاومون في ساحة النسيان.
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

