شعار قسم مدونات

عصر التوحُّد

lonely
من الأمور التي لا تحوِج صاحبها إلى الملاحظة، لكونها ماثلةً تحت بصره: إنكفاء الذات وما يحفُّها من مجاملاتٍ باردةٍ عند اللقاء، تلكم الذّات العامرة بالسلام الخارجي، خشيةً من المجهول، أياً تكن ماهيته، الراغبة دوماً إلى النأي عن الحراك المجتمعي الواحد- أو الذي يجب أن يكون كذلك- إلا أن تلكم الذات لا يسلمها من صراعها الداخلي، وحراكها العاصف في الباطن، كما لو كان ذالكم السلام الظاهري ضريبةً -بحق- لاعتراك الداخل. إلا أن هناك سؤال يبادِهُنا، متشوِّفاً إجابة، ما سر هذا الانكفاء، أو بشكلٍ أدق التوحُّد؟ ونعني هنا التوحُّد المصنوع وليس المغروز.

 

في ظني أننا بحاجة إلى حزمة من الأسباب كي نُشفي عِلّة السؤال وننقع غلّته، فقد انتهى زمن السبب الواحد على حد توصيف "ماركيز"، وعليه فإن هناك ثلاثة أسبابٍ رئيسية سنسوقها في قالبٍ من "الإلمعات" و"الهتامات"، وما ينضوي تحتهما من نارٍ ودخان نترك فهمه وإدراكه للقارئ العزيز.
 

1- الرأسمالية المتوحشة.

إن استدعاء الإيمان بحاجة إلى إيمان، وإن استجلاب الإحسان بحاجة إلى إحسان، والصبر على ذات نسق مضنٍ وممل

زحفت الرأسمالية المتوحشة لدكدكة الذات قبل غيرها من الغايات، فأنتجت واقعاً مأساوياً لذاتٍ آسية، على وجه العالم بأسره، وعلى الخصوص منه عالمنا العربي، وذلك بفضل تلازمها مع القمع والكمع في عالمٍ ثالث يصنع ثمر الزقوم ولا يزرعه! ويمسك الجمر ويدفع سعر التنور، على أنه الطُّعم المقدم لفوَّهة النيران المشتعلة في البداية والنهاية.

أزاحت الستار عن المرأة كستار فقط، ولم تزِح المرأة فيما تقول إلا فيما تفعل، وأنجبت في وادي الطامحين أخدوداً من زاوية، وبساطاً مجنحاً من زاويةٍ أخرى، حتى علَّت جسد الدنيا وامتصّت دماؤها، وبالتالي استدارت بالفكر نحو قبلتها، فصلّى الجميع دونما استجمارٍ أو وضوءٍ يزيل عنهم نجاستها. "إنها الدين المضاد الذي لايُتجاسر على قول اسمه، فقد أوصل الكرة الأرضية بأكملها إلى غابةٍ بدائية تتصارع فيها إرادات التنمية وإرادات القوة لدى الأفراد والدول"، روجيه جارودي.
 

2- مرض الاكتئاب
تُشير الدراسات أن مرض الاكتئاب، أو ما يسمى في فصيح العربية ب"الكنض"، إلى أنه بحلول العام 2020 -يعني بعد أقل من ثلاث سنوات- سيكون أكثر الأمراض انتشاراً واستشراءً، وحين نقف على كلمة الأعوام الثلاثة القادمة فلا يعني ذلك إعفاء عامنا هذا أو أعوامنا السابقة منه ومن استشرائه، إذ إنه موجود وفي حالة من السريان، إنما المفاجأة تكمن في أنه المرض رقم واحد في إصابة الكثير من بني البشر، حيث سيتفوق في اتساعية نطاقه على السرطان والإيدز وغيرهما من الأمراض الخطيرة.

ولفَهم ماهية الاكتئاب من ناحية طبية ومدى خطورته، فإنه يكون نتيجة انخفاض إفراز مادة سحرية، إحدى المواد المسؤولة بدرجة أولى عن حالة الانتعاش والمرح، لحساب إفراز هرمونات مضرة، وهي الهرمونات الكظرية أو ما فوق الكلوية مثل الأدرينالين والكورتيزون، الكورتيزون والأدرينالين مهمان في حالات معينة، ولكنهما إن زادا عن مقدارهما استحالا إلى سمٍ ناقعٍ، ينتهيان حينها إلى تدمير جهاز المناعة أو معظمها، وكذلك إلى تدمير أعضاء البدن، وهذا ما يسبب الحالات المتقدمة جداً من الاكتئاب. 

مثل هذا الشخص المصاب بهذا المرض، لا يمكن أن يُنتظر منه أن يضحك ولا أن يختلط بالآخرين، ولا أن يلقاهم بوجه مستبشر. لعلنا لانتحدث الآن عن الدرجة المتقدمة للاكتئاب، ولا نتهم الناس بذلك جملةً، ولكن حقيقة الإنسان وما يتعاوره من مكابدات في الحياة، فضلاً عن التعريف الدقيق والممتاز لمنظمة الصحة العالمية القائل: "الصحة مقدار من الكفاية البدنية والنفسية". يتضح وبشكلٍ قاطع أنه ليس هناك شخص في كامل صحته البدنية والنفسية، فإن نجا من الأولى فلن ينجو من الثانية، والأمر متفاوت من شخصٍ لآخر.

3-البعد عن الله

المتميز ليس من برّز وجنّح، بل هو من يسعى لجعل الآخرين متميزين مثله. والغني لا يحتاج ابتسامتنا بل الفقير! والفاهم لا يحتاجنا بل البليد، والصالح لا يحتاجنا ولكن التائه بحاجة إلينا

أما تلاحظون أن الظالم يصرخ ملئ شدقيه قائلاً لا للظلم، وأن الفاجر يندد بالفجور، وأن المجرم يستهجن الإجرام؟ إن لم يكن للمظلوم من عزاءٍ فما عزاءه؟ كيف له أن يدمل جراحه الملتهبة، ويتخفف من شجنه الطاغي، إن لم يكن عدل الله ومن قبل وجود الله في حياته طاغياً على طغيان شجونه واندمال جراحه؟ لاشك أن البعد عن الخالق يبعدك عن الخلق، بل إنه يبعدك منك ومن ترابط رؤيتك لما حولك، وبالتالي انفكاكك عن مجتمعك وفي كثيرٍ من الأحيان أسرتك، أو بعضٍ منها، فتعِش وحيداً تعساً. 

كما أن هناك رابط ما بين البعد عن الله ومرض الإكتئاب ولو من طرفٍ خفي، – إذا ما تقرر أن بعض الصالحين أُصيبوا بمثل هذا المرض -. يُمثّّل العزاء جرعةً كاملةً من الطمأنينة والراحة، كما يجعلك تصِل من قطعك وتسأل عمن جرحك، وتحسن إلى من أساء إليك، وفي أعماقك روحاً واثبة تبتغي الخير ولا تلتفت لما يعكر صفوها من خروقٍ أخلاقية وتعاملاتٍ فجّة، إلا أن استدعاء الإيمان بحاجة إلى إيمان، وإن استجلاب الإحسان بحاجة إلى إحسان، والصبر على ذات نسق مضنٍ وممل، ولأننا بعيدون عن إمكانية تأثير الإيمان في حياتنا على حياتنا وما يمكن أن ينتج عنه من تغيرات جليلة، أفقنا ونفيق دائما تحت ظلال الأسماء البراقة التي لا قيمة لها ما لم نبلور معناها. 

الحياة ذات معنى ويجب أن نكون مسؤولين عن معرفته وتنفيذه، ولا يمكن أن نصِل إلى ذلكم المعنى مالم نجعل من أخوّتنا معنى يؤدي بنا جميعاً إلى تنفيذ معانٍ سامية أخرى، فالمتميز ليس من برّز وجنّح، بل هو من يسعى لجعل الآخرين متميزين مثله. والغني لا يحتاج ابتسامتنا بل الفقير! والفاهم لا يحتاجنا بل البليد، والصالح لا يحتاجنا ولكن التائه بحاجة إلينا، ولتحقيق هذه المُثُل علينا العودة إلى النقطة الثالثة، ففيها علاج الاكتئاب، ومنها نستخرج الفأس لكسر رأس الوثن المتوحش.