ثورة الشعب ووعيه.. بين الحقيقة والوهم

في أواسط عهد الرئيس المعزول محمد مرسي جمعني، بحكم عملي الإعلامي، لقاء بالدكتور محمد البلتاجي الذي كان آنذاك قياديا بارزا بحزب الحرية والعدالة، الذراع السياسية لجماعة الإخوان المسلمين ودار بيننا حوار متكرر لكنه كان في تلك المرة أشد صخبا!

  

كانت بضع شهور قد انصرمت ممن حكم مرسي، وكانت حالة عدم الرضا قد بدأت في الظهور بسبب أداء السلطة من ناحية، ومؤامرات أعدائها الكثيرين مدعومين بإعلام مدجج بعشرات القنوات والصحف والمواقع، من ناحية أخرى.

 

لم يكن صعبا على من يجنّب الأهواء والآمال، أن يدرك أن سلطة مرسي تقدم لأعدائها الفرصة تلو الأخرى لاستهدافها ويكفي أن تتخيل أي سذاجة تلك التي تجعلك تتخيل أنك يمكن أن تحدث تغييرا يلمسه الناس، في ملفات الأمن والنظافة في بلد كمصر وفي عاصمة كالقاهرة خلال مائة يوم فقط!

 

رأينا من الأحداث ما أكد لمن كان غافلا أو رافضا، أن المراهنة على ثورة المصريين ووعيهم كانت تحوي من الآمال وحتى الأوهام أكثر مما تحوي من الواقع

كان الإعلام ينصب شباكه الشريرة ليل نهار على عموم المصريين، بشكل يؤكد أن هذا الإعلام كان يعرف طبيعة الشعب وكيف يمكن إقناعه أو حتى خداعه، وكنت شخصيا أرى ذلك واضحا أمامي بينما يبدو من أصادفهم أهل السلطة بعيدين عن إدراك ما يحاك ضدهم وضد كل من ساندهم أو تعاطف معهم.

 

ولذلك في هذه المرة بالذات ألححت على الدكتور البلتاجي أن نجلس معا على انفراد لأحدثه عن رؤيتي وتوقعاتي، وقدّمت لحديثي كي أذكره بأني من ناحية إعلامي قضى في هذه المهنة نحو ربع قرن، ومن ناحية أخرى، فأنا شخص اكتسب خبرة النظرة العميقة من الخارج ثم النظرة التفصيلية من الداخل والتي ساعد عليها الجمع بين الإقامة في الريف وفي العاصمة، وكذلك في الأحياء الشعبية وتلك التي توصف بالراقية.

 

بدأت أتحدث مع الرجل عن رؤيتي خصوصا فيما يتعلق بإعلام عكاشة والإبراشي ولميس وأديب وأمثالهم وكيف يقومون بدور في تغييب وعي الناس، لكنه فاجأني باستهانته بالأمر، وعندما جادلته قال لي بحسم ودود: "يا أخ أنس كل ده كلام فاضي، لأن الشعب المصري ثار واتوعّى، ومعدش حد هيضحك عليه تاني"!

 

نزلت العبارة عليّ كالصاعقة، وقبل أن أرد قال لي الرجل الطيب إنني أبدو متأثرا بإقامتي خارج مصر لعدة سنوات قبل ثورة يناير ولهذا ربما لا أدرك طبيعة ما حدث.

 

لم أستسلم رغم ما بدأ يتسلل إلى نفسي من ضيق، فضلا عن خشيتي أن يظن الرجل أن لي مصلحة أو عندي رغبة في لعب دور الناصح أو المستشار، فجربت المزاح وقلت له يا دكتور، إن كنت لا تعرفني جيدا فاسأل عني المستشارة السياسية للرئيس مرسي شخصيا، وقل لها إني أدعي أني كنت أسبقها هي والصديق السياسي عمرو حمزاوي عندما جمعت بيننا مقاعد الدراسة في السنة الأولى من كلية الاقتصاد والعلوم السياسية حيث كانت الغلبة لأبناء الريف قبل أن يتراجعوا في السنوات التالية.

 

ولم تفلح محاولاتي في إقناع الرجل بأن الإعلام يلعب دورا مضللا وأن الشعب سيقع أو بالأحرى وقع فعلا فريسة لهذا الإعلام، وضايقني تذكيره لي مجددا بأن الشعب المصري قد تغير، وأنه قد ثار وأصبح أكثر وعيا، استغربت أن يصدر هذا عن البلتاجي وهو من أكثر الإخوان احتكاكا بالناس وتساءلت في نفسي عن حال القادة الذين يجلسون غالبا في أبراج عاجية.

 

فقدت صبري، وقلت له حسنا يا دكتور، أود أن أختم لك بعبارة قرأتها لكاتب ربما لا يعجبكم، اسمه بلال فضل، يقول فيها أن الشعب المصري لم يقم بثورة ولكن قامت بها قلة واعية من الشباب المصري.

 

حاضرنا يقول الكثير، ومن يستمع حاليا جيلان: جيل ذاهب لا فائدة فيه ولا في تدبره، فأريحوا أنفسكم من إقناعه أو محاولة توعيته، وجيل قادم أثق أنه سيستخلص العبر ويستوعب الدروس

مر الزمان، واكتملت الحملة وأصبح المسرح جاهزا للإطاحة بمرسي، ورأينا من الأحداث ما أكد لمن كان غافلا أو رافضا، أن المراهنة على ثورة المصريين ووعيهم كانت تحوي من الآمال وحتى الأوهام أكثر مما تحوي من الواقع.

 

إن شئت رأيي فهاكه دون مواربة رغم ما اعتدناه من حساسية الحديث عن الشعوب بالعموم، فللأسف يتأكد يوما بعد يوما أن معظم المصريين لم يثوروا بل ولم يؤيدوا الثورة أو يتحمسوا لها ناهيك عن أن يناضلوا من أجلها،، بل والأسوأ من ذلك أن كثيرا من المصريين ربما تعايشوا عبر الازمان مع الاستبداد وقبلوه ومع الفساد وألفوه.

 

المصريون يا سادة مساكين، فهم يخضعون للقهر من أيام فرعون الذي قال لهم إنه لا يريهم إلا ما يرى، وتاريخهم طويل في قبول حكم المستبد أو الظالم أو حتى من كان عبدا مملوكا حتى ما قبل سنين من توليه السلطة على مصر "المحروسة".
 

ومع ذلك، فليتك تأخذ مني بعد الرأي وعدا، بأن دوام الحال من المحال، وأن الأغلبية الخانعة ربما تكون قد كسبت جولة بمساندتها للاستبداد وقبولها للظلم، لكنها ستخسر حتما ولو بعد فوات الأوان، وستفرض الأقلية الثائرة الواعية كلمتها، فالزمان المقبل زمانها ودروس الحاضر سندها.

 

صدقوني حاضرنا يقول الكثير، ومن يستمع حاليا جيلان: جيل ذاهب لا فائدة فيه ولا في تدبره، فأريحوا أنفسكم من إقناعه أو محاولة توعيته، وجيل قادم أثق أنه سيستخلص العبر ويستوعب الدروس.

ولنا عودة!



حول هذه القصة

مع مرور ذكرى 25 يناير، يمكن أن نقول ما أشبه الليلة بالبارحة، وما أشبه النحاس وأحمد ماهر والساسة وزعماء الأقليات، بالبرادعي وصباحي وأبو الفتوح وغيرهم ممن تخاذلوا.

بعد ست سنوات عجاف يأكلن ما قدم لهن من دماءٍ وتعبٍ، ومن زهرة أعمارنا، لا نقول إلا كما قال العم التونسي: “هرمنا”، بما تعنيه الكلمة من معنى ومن ثقلٍ وهوانٍ.

كنت كما أنا الآن، التلفاز على يساري، تركته لفترة ثم عدت، وجدت عمر سليمان على الشاشة: في هذه الظروف العصيبة… قرر الرئيس محمد حسني مبارك تخليه عن منصب رئيس الجمهورية

المزيد من المدونات
الأكثر قراءة