قد نتقبل فكرة أن يخرج دبلوماسي أو تاجر أو شخص من عموم الناس ليتحدث عن احترام قرارات ترمب طالما هي لاعتبارات أمنية، لكن كيف لنا أن نبرر أن يخرج لنا مثقف أو صحفي أو أستاذ جامعي مهمته تنوير الناس ليبرر هذه القرارات الخرقاء ويمتدحها بل ويحدثنا أن دونالد ترمب هو رسول العناية لإنقاذ العالم من التطرف الإسلامي وآخر يكتب أن قرارات ترمب هي ضربة قاصمة لنشطاء السبوبة و"شمامي الكلة" وآخر يكتب أن ما حدث في أمريكا أمر سار وضربة للتنظيم الدولي متمنيا تكرار نفس السناريو في فرنسا وفوز مارين لوبان مرشحة اليمين الفرنسي العنصري.
| إن تدعم ترمب في قضية مكافحة الإرهاب الإيراني العابر للحدود هو شيء وأن تؤيد قرارات ترمب التي تقيد المسلمين في أمريكا شيء آخر. |
وإذا أردنا تصنيف هؤلاء ال ترمبيين فيمكن تصنيفهم إلى ثلاث أنواع رئيسية: أولهم ال ترمبيون التنويريون وهم أحمق أنواع ال ترمبيين لأنهم بكل غباء ينتظرون نشر الديمقراطية والليبرالية من رجل يعلن بكل وضوح أنه معادي للحريات الشخصية وداعم للحروب ذات الطابع الديني ورافض للمساواة بين الرجال والنساء وبين البيض والسود.
ويتميز هذا النوع من ال ترمبيين بالوقاحة الشديدة تجاه الإسلام ومعاداة فكرة مقاومة الاحتلال ودعمهم المستمر للتطبيع مع إسرائيل ودائما ما يقف هذا النوع من التنويريين المسلمين في المكان الخطأ فقد وقف أغلبهم مع الحرب الأمريكية على إرهاب تنظيم القاعدة والتي لم تنجح إلا في تطوير مهارات الإرهابيين وتوسيع مناطق نفوذهم حتى باتوا يملكون مستعمرات على طول الخريطة وإمارات متعددة، بعد أن كانوا يملكون إمارة واحدة في أفغانستان ووقف أغلبهم مع الثورة المضادة إما بيده مشاركا في مظاهرات استدعاء الجيش للسلطة أو بلسانه في تبرير انتهاكات حقوق الإنسان متحدثا عن أن الدولة يجب أن لا تكون رخوة وإما بقلبه صامتا ومراقبا للأوضاع أو شاغلا نفسه بقضية الإصلاح الديني الذي لا تنتهي.
النوع الثاني من ال ترمبيين هو المعاديين لإيران وربما يكون لهذا النوع من الـ ترمبيين مبررات موضوعية تدفعهم لتأييد خطوات ترمب لتحجيم النفوذ الإيراني ولكن أعتقد أنه من الانتهازية لهذا النوع التصفيق الحاد الذي أراه #TrumpWarnsIranianTerrorism منهم على هاشتاق دون الكلام على تصرفات ترمب المعادية للإسلام والمسلمين في أمريكا.
فأن تدعم ترمب في قضية مكافحة الإرهاب الإيراني العابر للحدود هو شيء وأن تؤيد قرارات ترمب التي تقيد المسلمين في أمريكا شيء آخر، ولا أعرف لماذا لا تقوم دول الخليج بالضغط على إدارة ترمب من أجل التوقف عن ابتزاز الجالية المسلمة في أمريكا والتحريض عليها بحجة مكافحة الإرهاب لأن دول الخليج لو لم تتصدى لهذا الأمر ولو إعلاميا فإنها سوف تترك الباب لإيران أن تظهر وكأنها حامية حمى الإسلام والتي تقف في وجه اضطهاد المسلمين في أمريكا بقرارات ترمب الجائرة.
النوع الثالث من ال ترمبيين هم الدواعش ومن يفكر بطريقتهم فهم أسعد الناس بكل ما يتخده ترمب من إجراءات ضد المسلمين لأن ذلك سيخدم قضيتهم التي تدور حول وجوب الولاء والبراء على طريقة القرون الوسطى تمهيدا ليحارب الناس بعضهم من جديد بعد أن يصطفوا على أسس دينية، ولذلك فقد أجمع كل خبراء مكافحة الإرهاب على أن قرارات السيد ترمب داعمة بشكل واضح للجهاديين ولعمليات التجنيد التي يقومون بها، بل إنها في المستقبل سوف تحول الجماعات المعتدلة -نسبياً- إلى جماعات أكثر تطرفاً ووحشية مثلما حولت عملية غزو العراق في 2003م مناطق وسط وغرب العراق السنية إلى حواضن لداعش وكما حولت سياسات بشار الأسد الهاتفين للحرية في 2011م إلى قادة فصائل جهادية في 2017 .
سيقول قائل إنك تناسيت مؤيدي الحكم العسكري ولم تضعهم في عداد مؤيدي ترمب وأجيب في الحقيقة لا توجد شواهد موضوعية على تأييد ترمب للعسكر أو تأييد العسكر العرب لـ ترمب فالعسكر عموما يرتاحون للرؤساء الأمريكان الذين تتسم فترة حكمهم بالهدوء وهذا على عكس ما يفعله السيد ترمب الذي يصدر قرارات تثير الصخب والضجة الإعلامية باستمرار، وهذا ما يهدد بقاءهم في الكراسي.
| "ترمب" هو رجل أعمال أولاً وأخيراً وله مصالح في الشرق الأوسط ويخشى أن تضرر مصالحه التجارية إذا ما استعدى المسلمين بشكل واضح. |
فمع ترمب لم نعد بحاجة للسيد سنودن ولا جوليان أسانج مع وثائق ويكيلكس لنعرف كيف يفكر ترمب أو حكومته فالرجل يفكر بصوت عالي ويهدد علنا على التويتر ويصدر قرارات تنفيذية، وهذا ما يقلق الطغاة العرب من العسكر الذين فرحوا في بداية حكم ترمب وتنصيبه باعتبار أن المحافظين تولوا السلطة في أمريكا وبالتالي سيتوقف الضغط عليهم بقضايا الدمقرطة وحقوق الإنسان لأن الجمهوريين لا يجعلون هذه القضايا أولوية على عكس الديمقراطيين.
لكن تبين مع الوقت أن ترمب ليس بالرئيس الذي يمكن الثقة به؛ فهو ليس جمهوريا كلاسيكيا وكل شيء متوقع منه خصوصا بعد تهديداته لإيران ومقترحه لإقامة منطقة آمنة في سوريا والذي إن تم فسوف يتسبب في زعزعة حكم صديقهم بشار لأن المنطقة الآمنة ستمنع بشار من الانتصار الحاسم.
ما أريد قوله يجب علينا في كل منابر الإعلام شن هجوم واسع على ترمب فهو في الحقيقة أضعف مما يعتقد البعض، بدليل تراجعه عن نقل سفارة الولايات المتحدة للقدس بعد أن كان وعد بذلك في حملته الانتخابية، فـ "ترمب" هو رجل أعمال أولاً وأخيراً وله مصالح في الشرق الأوسط ويخشى أن تضرر مصالحه التجارية إذا ما استعدى المسلمين بشكل واضح، فلذلك يجب أن تستغل هذا الأمر الدول التي يملك فيها ترمب استثمارات مالية مثل السعودية والإمارات ومصر وتركيا من أجل جره إلى سياسات أكثر عقلانية وأقل عداوة تجاه المسلمين.
لذلك فإن كل من يدافع عن قرارات ترمب الآن بأي حجة فإنه سوف يتسبب في مزيد من القرارات المعادية للمسلمين، وكل من يعارض قرارات ترمب ويقف في وجهها ويندد بها فإنه سوف يتسبب بتقليل أذى هذه الإدارة على المسلمين.
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

