لن أعيش في جلباب زوجي

lady
جاء منذ يومين خبراً عن دائرة الإفتاء مفاده أنه ليس لأحد الحق فيما تملك الزوجة حتى لو كان زوجها، وأنه لا يجوز للزوج التصرف براتب زوجته إلا برضاها، وأنَّ على الزوج أن ينفق على زوجته وهي أوْلى من والديه حتى لو كانا فقيرين، ذلك لأنَّ للمرأة ذمة مالية مستقلة عن الزوج، فراتبها لها، وراتب الزوج له، وليس لأحد حق فيما تملكه الزوجة، ونفقة الزوجة واجبة على الزوج، ولو كانت موظفة عاملة، وهي مقدمة على نفقة أبويه حيث قال تعالى: ( الرجال قوّامون على النساء بما فضَّل الله بعضهم على بعض وبما أنفقوا من أموالهم)، ويمكن للزوجة مساعدة زوجها للوصول إلى بر الأمان ويكون إنفاقها على البيت صدقة برضاها وعن طيب نفس منها.
 

طُردَ من عمله وجلس في المنزل لتنفق عليه زوجته، وعندما تحثه على ضرورة البحث عن عمل بأسرع وقت يقول لها: لا حاجة في ذلك الآن فأنتٍ تعملين وراتبك يغطّي مصاريف حياتنا!

لا اعتقد أنَّ هذه الفتوى غريبة علينا أو حتى جديدة. من البديهي أن تشعر الزوجة العاملة باستقلاليتها المادية والمعنوية، وتلمس نتائج طيبة لعملها ومثابرتها لإثبات نفسها في هذا العالم الذي لا مكان فيه للكسالى، ولكن سماعي لبعض قصص الموظفات من حولي تجعلني اشعر بالاشمئزاز من تصرفات بعض الأزواج مع زوجاتهم العاملات، فتروي واحدة أنَّ زوجها المهندس يأخذ راتبها كاملاً ويعطيها مصروفاً لها! وتقول أخرى أن بطاقة البنك الخاصة بها يحتكرها زوجها الطبيب! وثالثة ممرضة زوجها عاطل عن العمل حيث طُردَ من عمله وجلس في المنزل لتنفق عليه زوجته وعندما تحثه على ضرورة البحث عن عمل بأسرع وقت يقول لها لا حاجة في ذلك الآن فأنتٍ تعملين وراتبك يغطّي مصاريف حياتنا! ونماذج كثيرة شبيهة بهذه القصص تعكس مدى ديكتاتورية الأزواج المقتدرين مادياً والذين يعملون في وظائف محترمة برواتب مميزة وسلطتهم غير المبررة في السيطرة على أموال زوجاتهم دون رضاهن وأخذ رواتبهن منهن عنوة!

لستُ هنا في صدد الحديث عن الزيجات التي تكابد وتعاني من غلاء المعيشة وشح الأموال، لأنه في هذه الحالة كما ذكرت من واجب الزوجة الوقوف إلى جانب زوجها ومساعدته في عبور نفق الحياة براحة وسلام، بل وإنني أزدري المرأة التي ترفض مساعدة زوجها محدود الإمكانيات والراتب مع أنها تزوجته وهي تعلم بحاله ووضعه المادي، ويتحتم عليها مساندته في ظروفه الصعبة لتمنح زواجها الاستقرار، وتحافظ على أركانه من الانهيار، لكنني هنا أتعمد الحديث عن الأزواج المقتدرين مادياً ممن لا يحتاجون إلى راتب إضافي للإنفاق، فبأي حقٍّ يفكّر الزوج الذي يتنعّم بوظيفة وراتب مجزٍ أن يأخذ راتب زوجته ويجبرها على الاكتفاء بمصروفٍ بسيط يجود به عليها؟! ولدى سؤالي الكثير من هؤلاء النسوة هل هنَّ قنوعات بهذه الحال أم مقموعات لتكون إجابتهن جميعاً: لا لسنا بسعيدات بهذا الوضع، ولا نشعر أبداً باستقلاليتنا، ولا نحصد ثمار عملنا، ولكن ما من حلٍ بأيدينا فاخترنا الصمت اختصاراً للمشاكل والنزاعات!

تنازُل الزوجة عن أبسط حقوقها يجعلها ضعيفة الشخصية وغير صانعةٍ للقرار، يفقدها حريتها ويزلزل كيانها لتبدو هشّة أمام عراقيل زواجها ومنعطفاته، لا يعيب المرأة أبدأ أن ترسم الحدود لعلاقتها بزوجها ليحتفظا بوقارهما وهيبتهما، بحيث لا يتعدى أحد منهما على مساحة الآخر الشخصية. على الزوجة أن ترفض سيطرة زوجها على راتبها ومدخراتها في حال قدرته وغناه، بإمكانها المساهمة في بعض الالتزامات لكن بموافقتها وباقتراحها هي على زوجها أنها ترغب في مشاركته بعضاً من نفقات البيت، لتشعر أنها منتِجَة وليست مستهلِكَة، وفي حال تعسرَّ التفاهم بينهما لا بد من توسيط أهل الخير من أقاربهم للوصول إلى حلٍّ يرضي الطرفين لا يُظلَم في بنوده أحد منهما، لأنَّ العيش في صراعات مادية بين الزوجين يدمّر الزواج ويجعله أشبه بعقدٍ مالي بحت يحاول فيه أحد الطرفين التسلّق على كتفي الآخر، وإلغاء شخصيته ووجودهن ليتوهمَّ بعدها أنه الزعيم القائد المُسيطر على كل شيء وشريكه فردٌ عادي من الشعب! 

الزوجة الطموحة صاحبة الهمة العالية والوظيفة المرموقة والعزيمة والإرادة، لا يجتمع رأسها مع رأسِ زوجٍ ديكتاتوري عنيد متسلط على وسادة واحدة، يرفض استقلال زوجته المادي ونجاحها ويتبنى أفكار مجتمعه السائدة.

فهناك زوجة تعتبر الزوج"بعبع" يجب الحذر منه، لا تستأمنه على نفسها ومالها وحياتها، تعتبر وظيفتها وحريتها المالية وسيلة للتمرد والعصيان والتقليل من احترام الزوج، وهذا النوع من النساء يفشل في النهاية؛ لأنها لم تُحسن التعامل مع الأمور بعقلانية، إذ تأثرت بتحريضِ المقربات لها، ولكن، وعلى صعيدٍ آخر تثور زوجة أخرى، وتقول بأعلى صوتها لن أعيش في جلباب زوجي بعدما تجرعت المآسي في زواجها، وتم انتهاك حدودها وممتلكاتها بكل تعسفٍ وظلمٍ وجبروت، لتكتشف إحداهن في إحدى قرى الأردن أنَّ راتبها الذي كان يأخذه زوجها منها بحجة أنه مُحتاجٌ جداً ينفقه على دلال وجمالِ زوجته الثانية التي تزوجها بالسر! وقد أشفقتُ على العاملة الفلبينية التي أطلبها من إحدى مكاتب العاملات لتساعدني في بعض أعمال المنزل عندما فتحتُ لها الباب، وكانت مهمومة حزينة بشكلٍ لا يُوصف، لأسألها عن حالها وهل ذهبت في إجازة إلى الفلبين لتزور زوجها وابنتها؟ فتقول بأسىً شديد أنها ذهبت لرؤية ابنتها فقط، فزوجها هجرها مع عشيقته بعدما استولى على راتبها، هرب ليخونها مع امرأة فاتنة ناعمة!

الزوجة الطموحة صاحبة الهمة العالية والوظيفة المرموقة والعزيمة والإرادة، لا يجتمع رأسها مع رأسِ زوجٍ ديكتاتوري عنيد متسلط على وسادة واحدة، يرفض استقلال زوجته المادي ونجاحها ويتبنى أفكار مجتمعه السائدة، فالزوجة القوية العظيمة المستقلة من أحسنت مواجهة عقبات التدني، وخلفها رجلٌ يدعمها، على المرأة أن لا تعتبر زوجها نقطة ضعفها الوحيدة، لتكون أمامه مسلوبة الإرادة، فلا تحافظ على توازنها بصورة رشيدة، بل يجب أن يتحول ضعفها إلى قوة، تاركة بين شخصيتها القديمة والجديدة فراغاً شاسعاً وهوّة، ليشتد عودها وتصبح أكثر حنكةً وقوة، ويغدو زوجها نقطة قوتها العظيمة، يتشاركان مسؤوليات زواجهما بوعيٍ ورؤيةٍ سليمة، وكما قالت أوبرا وينفري: النجاح المادي للمرأة يزودها بالقدرة على التركيز على الأمور المهمة فعلاً، ومنها أن تكون قادرة على إحداث الفرق ليس في حياتها فحسب بل في حياة الآخرين أيضاً…!