في مخيلتي وطن

blogs - palestine
تتسارع خفقات القلب كلما عزمت الكتابة عن ذلك الوطن القابع في زاوية دافئة من زوايا مخيلتي… ألملم ما يجود به خيالي مع ما سمعته من حكايات وقصص وأغان عن ذلك الوطن مع بقايا رائحة زكية لتلك الأرض التقطتها أنفاسي من الضفة الشرقية لما بقي من نهر الأردن في رحلة مدرسية منذ سنوات.

ذلك هو الوطن الفلسطيني لمثلي في الشتات… لم يعد الوطن يحمل صفات محددة بل أضحى عجينا من ذكريات وخيالات يرسمها كل فلسطيني مبعد عن أرضه من مكونات تجربته الشخصية… حتى أمست تلك الأرض التي لم يعرفها بعد هي الوطن الحاضر.

فمن جانب ظلت تفاصيل الثقافة الشعبية اليومية وألوان الفلكلور الغنائي والاستعراضي وحتى الأكلات الفلسطينية بما تحمله من عبق الزعتر والزيتون من أبسط ما يتمسك به مولود الشتات ووريثه أينما حل به المقام…

ومن جانب آخر رافقت أوجاع النكبة وملحقاتها الفلسطيني أينما توجهت بوصلته مهجرا إلى أرض أخرى يبحث فيها عما هو ضروري لاستمراره من مقومات وطن… ابتداء بأساسيات الحاجات من مأوى ومأكل إلى استقرار مادي وبلد قد يعطيه جنسية أو هوية مؤقتة – كما يعتبرها -تعرفه ويتنقل بموجبها… وربما عائدا بها لزيارة الوطن الفلسطيني ولكن بجنسية بلد آخر.

مخيلة جيل الشتات معبأة بألوان لوحة سماها الوطن… ونضال المهجر أن يبقَ الوطن ملتهبا في تلك المخيلة حتى يعود… ففلسطين بالنسبة للفلسطيني "أرض سرقت من شعب لتعطى لآخر بلا أرض ولا ذاكرة ولا مخيلة"

وبرغم ذلك ما انفك الوطن غضا نديا في مخيلة الفلسطيني… في أدبه وغنائه وشعره… في كثير من عاداته الثقافية والفلكلورية التي ما اكتفى بالتمسك بها منفردا بل عرف بها الناس في مهجره… إلى غير ذلك من احياء المناسبات والمؤتمرات والمهرجانات والمؤسسات الشعبية والخيرية والتضامنية والحقوقية في كل مهجر…

ويدغدغ ذاكرتي في ذات السياق مسلسل "التغريبة الفلسطينية" الذي تم عرضه على شاشات التلفزة قبل سنوات بما فيه من مشاهد مسموعة ومرئية عن مخيلة كاتبه الفلسطيني الخصبة… وربما لا أبالغ إن قلت أن في كل مشهد من مشاهد القصة في "التغريبة الفلسطينية" ما يذكرني بقصص جدتي وحديثها عن تلك الفترة من تاريخ الفلسطيني… مما أثرى مخيلتي وزادها تلونا…

وعندما أصبحت أما وجدتني في ذات الموقف أتساءل كيف أنسج من هذه الذاكرة التصويرية قضية أعيش لها في مهجري ويتناقلها من بعدي…

فبالإضافة إلى الحكايات والأغاني والفلكلور الذي لا ينقص من فضله على الأجيال الفلسطينية في الشتات شيء… وجدت المكون التثقيفي والفكري الأهم في معادلة الحفاظ على نضج مخيلتهم لتبقى حية وذات معنى… ويظل للقضية الفلسطينية ثقل القضية…

ولي في هذا الأمر تجربة حقيقية عشتها في بعض العمل التطوعي الفني لتدريب أطفال من بينهم أبنائي على مقاطع ايحائية وتمثيلية تجسد جوانب مختلفة من القضية الفلسطينية… فيتمثل الطفل الدور المعطى له ويزيده إلى مكونات أخرى من كتب وأفلام توثيقية فيثري مخيلته بصورة الوطن الذي حرم منه..

وإذ أنا أقلب تلك الذاكرة التسجيلية في نفس الزاوية الدافئة من مخيلتي التي تنبض بحتمية العودة إلى الوطن.. ذات الوطن المرسوم فيها.. تسألني أمريكية بلهجة باردة تناقض حرارة في قلبي لذلك الوطن.. "لماذا عليكم أن تعودوا؟ قد استقر كل منكم في مكان وأصبح مواطنا في بلد آخر.. وتعلم واشتغل.. فوطنك حيث تأكل وتعمل.. والحق يسقط بالتقادم.. هكذا التاريخ.. فلقد سقط حق الهنود الحمر في أرضهم وتلك سنة الحضارات..فلماذا لا تقبلون بهذا؟"
لأن الحق لا يسقط بالتقادم والوطن ليس المكان الذي نتعلم ونعمل فيه فحسب!!

فمخيلة جيل الشتات معبأة بألوان لوحة سماها الوطن.. ونضال المهجر أن يبقَ الوطن ملتهبا في تلك المخيلة حتى يعود.. ففلسطين بالنسبة للفلسطيني "أرض سرقت من شعب لتعطى لآخر بلا أرض ولا ذاكرة ولا مخيلة"….