الجرح النرجسي للذات العربية

arab

بتقديس الأنا، وتفخيم الذات، وجد الإنسان نفسه مسيطراً على الكون، وانتزع قداسة وجوده من الدين ذاته، رافعاً شعار "وحدي الأنا العاقل أو المقارب للكمال" حسب التعبير الأرسطي، وزعم الإدراك النهائي لكل ما حوله، نرجسية مفرطة عاش الإنسان في ظلها، معتقداً بمركزيته، وصوابية علمه لآلاف السنين، إلا أن هذه النرجسية الإنسانوية تعرضت للإذلال، ونُوزعت كبرياءها من ذاتها، وهي تستكشف ما حولها، وتبحث في كونها مرات ثلاث، كما ذهب في ذلك فرويد في مقاله المنشور عام 1917 تحت عنوان "صعوبة أمام التحليل النفسي" تحدث فيه عن ما أسماه بالجرح النرجسي الكوني.
 

أول تلك الجروح التي منيت بها النرجسية الكونية كان قادم من علم الفلك، "الكسمولوجيا" على يد البولندي "كوبرنيكوس" الذي أزاح الإنسان وكبرياؤه نحو الهامش، من خلال ترتيب وضع أنطولوجي جديد ينسف نرجسية البشرية، ويحيّد الأرض التي اعتبرت مركزا للكون، مبعداً الإنسان من دائرة التناغم والانسجام الكوسمولوجي، بل وافقده الثقة التي كان يستمدها من ذاك النظام المتعالي، وظهر بهذا الجرح كهامش للمرة الأولى، باعتبار محيطه لم يعد مركزا، ولا اعتمادية كونية عليه، وبما أنه يعد الجرح النرجسي الأول للإنسان، كان الأكثر إيلاماً، حيث لم تنجح ذاتية ديكارت لاحقا بمعياريته الإبستمولوجية التي احتلت الذات فيها المركز، ولا ربط القيمة بالمعرفة – لا بالوجود – وتأكيده على أن الغاية الإبستمولوجية اكثر أهمية من الحقيقة الكوسمولوجية.
 

عايشت الذات العربية الجروح الثلاثة كغيرها، إلا أنها استطاعت واهمة، التواري وراء تاريخها ودينه. شهدتها لكن لم تشعر بغصة تواليها، ولا بصدمة حدوثها كما حدث للغرب، اذ كانت منهمكة في قشور الأدب، والشعر ومحاربة كل صوت للإصلاح والغربلة.

في خضم الشعور المحبط الذي أصاب البشرية، أتي الجرح الثاني، القادم من "البيولوجيا" عندما كشف البريطاني شارلز داروين، أن الإنسان الذي لطالما تباهي بأصله السماوي، وتصور نفسه مخلوقا من روح الله، وجد ذاته مكرهاً تحت ضغط البرهان العلمي على الاعتراف بأن السلالة التي تحدر منها هي الحيوانية، وانه ليس إلا حلقة ضمن نظام الخليقة الذي لا ينتهي، وليس من حقه ادعاء ختم السلسلة، ككائن مختلف ومتميز والأكثر تطورا وملائمة خلقية.
 

مهد هذا التشكيك وتواليه على الذات البشرية للجرح النرجسي الثالث، هذه المرة على يد فرويد نفسه مؤسس علم نفس الأعماق، وعالم التحليل النفسي الأشهر، أتى هذا الجرح ليلامس الشيء الأكثر حساسية في الإنسان وهي الذات، حيث أكد فرويد بأن الإنسان نفسه غير متحكم تماماً في ذاته، ولم تعد الذات الواعية تضبط نفسها، واختراق الوعي المقدور على التحكم فيه إلى اللاوعي المحال، واستحواذ اللاشعور على الشعور، وأن هذه الأخيرة ليست إلا بقعة ضوء لا تنير إلا عبر توازن نفسي محتمل، يضبط قوامه جهازا "الأنا" و"الأنا" الأعلى، هذان الأخيران اللذان يقمعان الحقيقة، باسم الحقيقة نفسها!
 

عايشت الذات العربية الجروح الثلاثة كغيرها، إلا أنها استطاعت واهمة، التواري وراء تاريخها ودينه. شهدتها لكن لم تشعر بغصة تواليها، ولا بصدمة حدوثها كما حدث للغرب، اذ كانت منهمكة في قشور الأدب، والشعر ومحاربة كل صوت للإصلاح والغربلة، ومن جانب آخر، انكفأت على حالها، وبقت كما هي ترحل مشكلاتها للسماء. وبعد حالة السبات تلك، بدأ تأففها بالظهور، بعد أن وجدت نفسها متخلفة ومتأخرة. ليظهر جرحها النرجسي، الذي عاشت في ظله بدون أن تدرك، جرح تبدى لها كحلم ما فتئ أن صار حقيقة مؤلمة، يمكن الشعور والإحساس به واعتباره مميت أو سيء، ومع ذلك، أي محاولة للتقرب من مكمن الداء أو الجرح، يعد بمثابة المساس بكرامة الأمة، وتهشيم كبرياءها، وتجاوز لذاتها العريقة ولا يُسمح بذلك.
 

الجرح المقدس " النرجسي" الذي لم تستطع الذات العربية تجاوزه حتى الآن، "مشكلتها النفسية الأعظم"، برز من داخلها ويخصها لا البشرية جميعها، فالجرح الكوني يمكن مداراة الذات بعموميته، وتخفيف قوة وقوعه باعتباره جرح الكون، لا شأن خاص به، أو أنه تبدى بعيداً عن البيئة العربية، ونازع ذات أخرى " الغربية" مثلا، وليست الذات العربية تحديدا، ولهذا أكد "طرابيشي" "أن جروح فرويد كانت تختص بشكل أو بآخر ببيئته الغربية، وأن الجروح الثلاثة هي جروح الإنسان الغربي، الذي كان يتهيأ من بين جملة أشياء أخرى لغزو العالم، ولتأسيس نفسه إنساناً كونيا.
 

أين نحن؟ وأين صاروا؟ لماذا بقينا في مكاننا؟ وكيف قطعوا هذا الشوط الكبير؟! تساؤل يتبعه آخر، وتنكر يسير كسابقه، رافضا الحقيقة القاسية، يبلور الوقائع بما يتناسب مع هواه، ومخففا من وجع الجرح بتأويلات عدة.

إن الانهيار الكبير الذي اصاب الحضارة العربية، والشوط الهائل الذي قطعته نظيرتها الغربية، ولّد شعور باللارضا والغبن، جميع ذلك ساهم ببروز جرح رابع، ذو خصوصية بالذات العربية، وهو بحسب "طرابيشي" الجرح الانثربولوجي "جرح نرجسي مركب" إذ اقترن السؤال: لماذا تقدم الغرب؟ بآخر، لماذا تأخر العرب والمسلمين؟ يبقى هذا السؤال درامياً في حالات أخرى، أما في الحالة العربية نزع من البداية ليكون تراجيدياً لا درامي"، جرح مضاعف وسؤال مرهق.
 

أين نحن؟ واين صاروا؟ لماذا بقينا في مكاننا؟ وكيف قطعوا هذا الشوط الكبير؟! تساؤل يتبعه آخر، وتنكر يسير كسابقه، رافضا الحقيقة القاسية، يبلور الوقائع بما يتناسب مع هواه، ومخففا من وجع الجرح بتأويلات عدة، إذ أن اكتشاف تقدم الآخر قد يكون مفجعاً للذات، لكن اكتشاف تأخرنا يكون بمثابة مأساة! ولهذا يعد جرح الذات العربية عميق، ضرب في الصميم، جرح مقدس، سبقه ابتداء وهم بالتقدم أو بتأخر الآخر، ليفاجئ بأنه هو المتأخر، والفجوة بينهما ممتدة لقرون، حيث يكبر ويتوسع الجرح النرجسي للذات العربية، بتوسع الهوة المعرفية والعلمية. ومع كل طفرة تطورية تشهدها الحضارة الغربية، تقل آمال الصحوة العربية وتتراجع حساباتها لسنوات أخرى.