التطبيع الديني واختراق الأزهر

blogs- الأزهر وإسرائيل
لم أكن أعرف السيد عمر سالم، ولا طبيعة مهمته التي يجوب العالم من أجلها حين طلب في فبراير الماضي مقابلتي بصفته باحثا مصريا أزهريا يقيم في الولايات المتحدة له كتاب عن الصراع العربي الإسرائيلي بعنوان "السلام المفقود"، وذلك لبحث إمكانية المشاركة في إدارة ندوة حول الكتاب بصفتي البحثية.
 

لم أتحمس في البداية لسبب مجهول، لكن الأمور تسارعت بشكل مريب في الأيام التالية، حيث اتصل السيد عمر سالم أكثر من مرة لطلب اللقاء، ثم جاء لزيارتي دون ترتيب موعد سابق، وأعطاني نسخة من كتابه المكتوب بالإنجليزية، فأخبرته أنني سوف أطلع عليه، ومن ثم يتم مناقشة الأمر، وتحت الإلحاح بتحديد موعد توصلنا إلى اتفاق مبدئي بإدارة ندوة له، على أن يبقى الأمر مشروطا باتفاقي مع ما ورد بالكتاب من أفكار.
 

جدير بالذكر أن السيد عمر سالم عرّف نفسه بأنه زميل ومدير الباب الإسلامي السني في معهد الدبلوماسية الدينية بنيويورك ومؤسس معهد ابن رشد للحوار في مصر، وعضو فخري في الرابطة العالمية لخريجي الأزهر ومجمع فقهاء الشريعة في الولايات المتحدة، وأنه حاصل على درجة الماجستير من كلية اللاهوت بجامعة ييل الأمريكية، ويعد للدكتوراه في الجامعة الدينية للدراسات العليا بالتعاون مع الأزهر، وحسب كلامه يشرف عليه من الأزهر الأستاذ الدكتور محمد أبوزيد الفقي عميد كلية الدراسات الإسلامية والعربية بكفر الشيخ سابقا، وأستاذ الدعوة والثقافة الإسلامية بجامعة الأزهر.
 

واضح من طبيعة الوفد أن كل أفراده يهود أمريكيون، وأنهم يروجون لنوع جديد من التطبيع، هو التطبيع الديني، كاستراتيجية تستخدم البعد الديني، لترويج اوتبرير سياسات الغزو والاستعمار.

قبل أيام من اللقاء المرتقب تذكرت أمره واطلعت على كتابه، وتفاجأت بالمضمون الذي يروج له الرجل الملتحي صاحب الطاقية البيضاء، ودعوته الصريحة للتعايش والتطبيع والإقرار بحق إسرائيل في الوجود حيث يقول "يريد اليهود العيش بسلام ويجب أن تكون لهم دولة والسماح أيضا لجيرانهم بالعيش في سلام"، مع الاستدلال بآيات من القرآن لتبرير الوجود الصهيوني لفلسطين، مع خلط فج وتدليس لحقائق التاريخ والجغرافيا.
 

كان ردي التلقائي هو الرفض التام للتعاون مع شخص يروج لهذا النمط من التطبيع الديني الفج مع كيان استعماري عنصري قائم على الإرهاب، وفي المقابل كان الإلحاح المستمر من السيد عمر سالم، والتعلل بحضور أصدقاء من خارج مصر خصيصا في الموعد المقترح، وهم على حد زعمه أكاديميون أمريكيون، وأنه يقع بذلك في موقف حرج مع ضيوفه الذين حجزوا تذاكر الطيران، ومع الإلحاح والضغط وتوسيط جهات سيادية مارست نوعا من التهديد المبطن تم التوصل إلى اتفاق على تنظيم لقاء شخصي بيني وبين ضيوفه لمناقشة كتابه، وهو نقاش أحتفظ فيه بحق الرد النقدي على ما ورد من ادعاءات في كتابه، وتفنيد منطلقاته، ونويت أن أقوم بمهاجمة طرح التطبيع ككل أمام ضيوفه الأجانب، وأعددت ملفا موثقا في هذا الشأن، فقط طلبت منه معرفة جنسيات الضيوف، ووعدني بإرسالها، لكنه لم يفعل، وتكرر الطلب دونما رد منه. وشككت في الأمر، واستنتجت أنه ربما يكون هناك مسؤولون إسرائيليون بين ضيوفه.
 

على الفور قمت بتكثيف البحث عن معلومات عن السيد عمر سالم، واكتشفت أنه زار إسرائيل من قبل بدعوة من صديقه الحاخام "يعقوب نجان"، وألقى محاضرة في جامعة حيفا شهدت تجمهرا من شبان عرب هتفوا ضده ووصفوه بالخائن. كما ألقى كلمة بفندق "هارتسيون" بالقدس المحتلة، ودُعي لإلقاء محاضرة بإحدى المدارس الدينية اليهودية بمستوطنة "عنتائيل" بالضفة الغربية وكذلك ألقى محاضرة في معبد "يديديا" بالقدس المحتلة، أمام حشد كبير من المستوطنين، وحوارًا بالقناة السابعة الإسرائيلية، ليغدو الرجل بعمالته الفجة رمزا للتطبيع الديني وداعية له.
 

اكتملت الصورة، وأدركت الفخ قبل فوات الأوان، فأبلغته رفضي القاطع لمقابلته وضيوفه، ومن جهته مارس ضغوطا هائلة على كافة المستويات دون جدوى -ولا أعلم حتى هذه اللحظة سر إصراره على وجودي في هذا المحفل المشبوه- وبعد ساعات كانت أشبه بما يحدث في المغامرات الدرامية دون الدخول في تفاصيل. اكتشفت أن ضيوفه الذين جاب بهم مصر كلهم إسرائيليون وهم: السيدة رفقة أبراهامسون؛ وهي ناشطة إسرائيلية -ترتدي الحجاب- من أصل أمريكي، حيث درست في جامعة ماساتشوستس، تعيش حاليا في القدس، وهي زوجة الحاخام بن أبراهامسون وهو استشاري المحكمة الحاخامية بالقدس، ومؤسس منظمة الصديقين لحوار الأديان والدراسات الإسلامية واليهودية المقارنة. والحاخام ياكوف ناجين؛ إسرائيلي من أصل أمريكي، يعيش بمستعمرة أوتينل، باحث بالمدرسة اللاهوتية، وحاصل على الدكتوراة في الفلسفة اليهودية من الجامعة العبرية بالقدس. وجوزيف رنجل؛ إسرائيلي من أصل أمريكي يعيش في القدس، وهو منسق لقاءات عمر سالم بإسرائيل.
 

واضح من طبيعة الوفد أن كل أفراده يهود أمريكيون، وأنهم يروجون لنوع جديد من التطبيع، هو التطبيع الديني، وهو جزء من استراتيجية صهيونية جديدة، تستخدم البعد الديني، لترويج الادعاءات الصهيونية وتبرير سياسات الغزو والاستعمار تبريرا دينيا من وجهة نظر إسلامية، بحيث تصبح إسرائيل هي مشيئة الله وإرادته، في محاولة لتغيير ما رسخ في العقل الجمعي عند العرب. وقام السيد عمر سالم بلقاءات متعددة للترويج لكتابه السلام المفقود، فالتقى الدكتور إسماعيل فهمي بالجامعة الأمريكية، والدكتور عبد الله الدرديري الوزير السوري المقيم ببيروت، كما التقى كاتب هذه السطور، كلها لقاءات تمت دون الإفصاح عن مهمته الحقيقية، وكان يحرص على توزيع كتابه، والتقاط الصور التذكارية.
 

التطبيع الديني "بين الأزهر وإسرائيل" الذي نظّر له وروّج السيد عمر سالم يأتي في سياق مخطط يستهدف قلب الحقائق على الأرض، ويدفع بالمزيد من الهرولة نحو التركيع.

بعد فشله في عقد لقاء معي، اصطحب عمر سالم الوفد الصهيوني في زيارة لجامعة الأزهر. وفي اليوم التالي عقد ندوة في مقر الجمعية المصرية للتنمية العلمية والتكنولوجية، حيث عرض أفكاره الواردة في كتابه وخطته المزعومة لتحقيق السلام وتقسيم القدس في سيناريو مفضوح، وفي حضور الوفد الإسرائيلي وأحد القساوسة بالكنيسة الإنجيلية هو القس رفعت فكري مسؤول لجنة الإعلام بسنودس النيل الإنجيلي!
 

ثم كانت رحلته إلى الفيوم، حيث وصل الوفد الصهيوني إلى فرع جامعة الأزهر هناك، والتقى الدكتور وجيه الشيمي رئيس قسم الدراسات الإسلامية بكلية دار العلوم، والقيادي بحزب النور السلفي -عضو مجلس الشعب السابق- حيث ألقى كلمة أمامهم عن سماحة الإسلام وحتمية السلام، وهي الكلمة التي نالت ترحيب وتصفيق أعضاء الوفد.

وعلق عليها عمر سالم بأن الدكتور الشيمي تأسى بما فعله الرسول مع وفد نجران من أهل الكتاب!! في تورط صريح للمؤسسة الدينية الرسمية من خلال أكاديمي أزهري وسياسي يشغل منصب أمين حزب النور بمركز أبشواي، وتواصلا لإنجازات السيد عمر سالم في سياق فتح ثغرة في مؤسسة الأزهر للتطبيع مع إسرائيل، نشر الحاخام أبراهمسون على صفحته على الفيسبوك نبأ توصل زوجته "رفقة" إلى اتفاق مع جامعة الأزهر يقضى بتنظيم مؤتمر للحوار الديني برعاية مشتركة بين مؤسسة الصدقين الصهيونية التي يديرها وبين الأزهر.
 

جدير بالذكر أن الوفد الصهيوني التقى الدكتور على السمان مستشار الرئيس السادات للإعلام الخارجي وأحد مهندسي كامب ديفيد، وهو رئيس الاتحاد الدولي لحوار الثقافات والأديان وتعليم السلام "أديك" أوروبا، وهو ما يعنى تداخل الخيوط، وبأن الأمور لم تأت اعتباطا، وأن التطبيع الديني الذي نظّر له وروّج السيد عمر سالم يأتي في سياق مخطط يستهدف قلب الحقائق على الأرض، ويدفع بالمزيد من الهرولة نحو التركيع، وهو ما يضع علامات الاستفهام حول الرغبة في إيجاد دور الأزهر في هذا المشروع.