إلى حبيب ومُحِب

blogs - love

يتنازع قلب المُحِب ما بين القُرب من حبيبه أو بعده عنه، لغة الهجر والوصل في عوالم الوجْد أحوالٌ قُدسيّة، يترامى الخاطر تعباً من شق المسافات بينه وبين مقصوده، حتى يحترق بنيران الشوق، وينثر دخانه العطريّ على أرجاء هذه المقصورة الوجودية، يقطع الحبيب الوعود داخل قلبه، ولطالما حذّروا من ذلك، فالوعود تبقى في مهبّ الريح ولا أرض لها أو جاذبيّة سوى الأمنيات.
 

أيها الحبيب، سألتني مرةً كيف يكون الالتفاف بالقلب عن المقصود؟ يكون عبر حضور ما يملأه على مقصودك، فالحب صلاة الميل، فإن مال وجْدك إلى ما تحب فأنت في حضرته وحرمه، وإن مال عنه إلى غيره، غمرتك الحسرة والفقد، ولذا كان أصعب ما يطرق فؤاد المُحبّين إعراض من يحبونهم، ووسع الهجر والجفاء، والميل بالجسد متبوع بما قد مال بالقلب، والعاطفة سيّارة الجسد، وتخيّل مثول من تحب أمامك، إلا أن قلبه معرضٌ عنك بغيرك، فكم من وجعٍ يغمر قلبك حينها، وكم من مشقّة الهجر تستطيع أن تحتمل؟
 

سيظل في عمرك أصدقاء أوفياء، وعابرون كِرام، كما منهم الجريح والمتألم منك ومنهم، وأحسن الظن، إنك على عهد وصدق بأن تقدم الخير والجمال لهم جميعا

أيها الحبيب، حين عشقت، وُهبت الوُسع، وأوتيت ملكاتٍ كوْنية، هذا لعلم المحبة أن طريقها مليء بالنسبية، وأنك في قالب فيزيائي بدوافع كونية، فألا تركن لنسبيتك على كونية أصلك، فعند ضعفك أنت سماويّ، وعند قوتك أنت ترابي، هكذا شيء من درب المحبة، بيدك الخير، فعينُ إرادتك هي ذاتها مشيئة الحبيب أيها المحب.
 

لقد شققتَ طريقك، وأنت لا تدري بما فيهِ، وهذا الْحُزْن الذي يملأ قلبك، كما أول الحُب وضحكته النقية، وإن الأحزان مقامات، وحتى نصل لنقيّها كان علينا الوصول إلى أولِها، وما يكون دوما منك أيها المحب أنك تجد لغتك مفهومة على مستوى المسافة والإزاحة، إلا أنها غير معلومة وبيّنة لمن أزلت لهم المسافة، فتعجب، وعجبك من المحبة يتلوه عجب الطريق، يتلوه عجب ما أنتَ مُحصلٌ منه، لقد كتب المحبون رسائل في الأحزان جمّة، وكانت لحظة التقاءهم بمن يحبون بعدها هي الأكمل والأصدق والأكثر جمالا وحزنا وضحكا طيّبا.
 

أيها الحبيب، وفي الأرض القصيّة تُفتح أبواب الروح، تلتقي بالطبيعة صديق، تعرفك، وتنسى ماضيك، ذاكرتك التي أرهقتك حنينا إليهم، في أرضٍ ما، هنالك فرح يركض إليك وتركض أنت إليه، في الأرض الأخرى تركض وحيداً كي تنال سعادتك، ولا أحد ينظرك إلا من كان طريقه متقاطعا معك، في عمقٍ من القُرب تلعن القرب، في عمق من الغياب تنشد الحضور ولو باهتاً! إن أبواب الروح هي أبواب القرب، من قال أن للروح باباً سوى من أراد له باب.
 

أيها الحبيب، إليك حقيقةٌ أزلية، ستقابل من تقابل، ويرحل منهم جمع، ويظل آخر، لن يحبك الجميع، ولن يتركك الجميع، وسيظل في عمرك أصدقاء أوفياء، وعابرون كِرام، كما منهم الجريح والمتألم منك ومنهم، وأحسن الظن، أنك على عهد وصدق بأن تقدم الخير والجمال لهم جميعا، وأن ترتكز على المضي غُفراناً لمن آذيت وآذاك، ستسمع عنك كلاماً طيّباً في بقعة من الأرض، وسيعلو صدى أرداه في الجهة المقابلة، في كل الأحوال لا تمل من العيش ولا تنسى كأس قهوتك في الصباح، وتجهيز وسادتك ورداء نومك آخر المساء، ونم هانئاً ما استطعت، وأما حديث المُحبّين والمنقسمين فهو في طيّ وسعك، ولا تجعله كل شأنك، وعِش حياةً طيبة، واسع لها، وتوسّع، واجعل فيك مساماتٍ تُمرّر الأذى بلا رواسب، واجعل فيك منافذ ونوافذ تستقبل الوُد والحياة والبهجة.