أنقرة والرباط وصفقة محاصرة المعارضين

Turkish Prime Minister Recep Tayyip Erdogan gives a speech at the start of an official four-day tour of the Maghreb, in Rabat June 3, 2013. REUTERS/Youssef Boudlal (MOROCCO - Tags: POLITICS)
يبدو أن أنقرة والرباط تجنيان معا ثمار التقارب والتعاون الحاصل بينهما والمتطور يوما بعد يوم، فقد أقدمت السلطات التركية، على منع عمر أمكاسو، عضو مجلس إرشاد، ونائب رئيس الأمانة العامة للدائرة السياسية في جماعة العدل والإحسان -الجماعة الإسلامية المعارضة سلميا للنظام المغربي- من دخول أراضيها، يوم الخميس 2 فبراير الجاري، وعمدت إلى ترحيله في أول طائرة عائدة من تركيا.
 

تأتي هذه الخطوة بعد قرار السلطات المغربية، إغلاق جميع المؤسسات التعليمية التابعة لمجموعة "محمد الفاتح"، والمتواجدة بسبع مدن مغربية، يتابع الدراسة فيها أزيد من 2500 تلميذ، وجدوا أنفسهم فجأة دون دراسة. إقفال المدارس سيتم داخل أجل أقصاه شهر واحد، ابتداء من يوم الخميس 5 يناير 2017، حسب بلاغ لوزارة الداخلية، ويأتي بعد 5 أشهر من إرسال الحكومة التركية للمغرب بوثائق ومعلومات تدعي تورط فتح الله جولن -المعارض التركي المقيم بأمريكا- في محاولة الانقلاب العسكري في تركيا.
 

هل تعتبر خطوة إغلاق المدارس التركية في المغرب، أو منع القيادي المغربي المعارض من دخول تركيا، أولى قطرات غيث التعاون بين تركيا والمغرب، أم هي نتائجه؟

بعد قرار إقفال مدارس الفاتح أعلنت تركيا ترحيبها بالخطوة المغربية حيث اعتبر وزير الخارجية التركي مولود جاويش أغلو القرار دليلا على التعاون القوي بين تركيا والمغرب. وقد روجت بعض وسائل الإعلام المقربة من السلطات المغربية، أخبارا تدعي أن لجماعة العدل والإحسان علاقة بمدارس الفاتح، وأنها تتزعم حملة ضد قرار السلطات المغربية بإغلاق هذهِ المدارس، أخبار اعتبرها البعض، خطوة لاستهداف مدارس الفاتح، وتبرير اغلاقها، وأيضا للتأثير على علاقة الجماعة بالسلطات التركية.

وعلق محمد الحمداوي مسؤول مكتب العلاقات الخارجية بجماعة "العدل والاحسان"، على صفحته بالفيسبوك، نافيا ما أسماه الادعاءات جملة وتفصيلا، وفي حديث جمعني بعبد الواحد المتوكل، مسؤول الدائرة السياسية في الجماعة، قال أن القرار التركي قرار سيادي، لن تدخل الجماعة في مناقشته أو التعليق عليه، لكنه يتأسف لهذا الأسلوب الذي تلجأ له السلطات المغربي، وفي نفس الوقت قال أن الجماعة لن تتأثر بهذه الوشايات والتبليغات، لأنها جماعة قوية ومستقلة ،لا ترتبط بتمويل أو ولاء لا لتركيا ولا لإيران ولا لأي دولة. وكانت تركيا تحتضن مؤتمرات ولقاءات للجماعة خاصة منذ وفاة مرشدها عبد السلام يسن قبل خمس سنوات.
 

لكن هل تعتبر خطوة إغلاق المدارس التركية في المغرب، أو منع القيادي المغربي المعارض من دخول تركيا، أولى قطرات غيث التعاون هذا، أم هي نتائجه؟ من خلال علاقات التعاون على صعيد مجالات عدة بين البلدين، وأحداث المنع السابقة، يتضح أن ما يحدث الآن ما هو إلا تتويج لعمل بدأ سابقا. فقبل سنة من الآن تحديدا، بحث رئيس المحكمة العليا في تركيا "إسماعيل رشدي جيريت"، والرئيس الأول لمحكمة النقض في المغرب "مصطفى فارس"، في العاصمة "الرباط"، تعزيز التعاون في المجال القضائي بين البلدين، وتفعيل اتفاقية التعاون المبرمة بين المحكمتين، في مارس 2013.
 

وقال "جيريت" حينها: إن علاقات التعاون القضائي بين تركيا والمغرب، قديمة وعميقة. وأضاف: تباحثنا مع الجانب المغربي حول سبل تعزيز وتطوير التعاون القضائي بين بلدينا، وتقاسم التجارب في هذا الإطار. بدوره، قال "مصطفى فارس"، الرئيس الأول لمحكمة النقض -المحكمة العليا بالمغرب- إن "العلاقات المغربية التركية، كانت دائما وما زالت علاقات ممتازة، سيما في المجال القضائي، حيث وصلت العلاقات بين البلدين في هذا المجال، إلى مستوى عالٍ من التعاون".
 

هذا نموذج لما يمكن اعتباره تعاونا في المجالات الحقوقية والقانونية والقضائية والإدارية والأمنية والاستخباراتية، تم تتويجها بسلسلة منع وحظر وتوقيف، لا نتحدث عن عمليات إرهابية أو مشبوهين أو مطلوبين لهم علاقة بتلك العمليات، أبدا. الأمر يتعلق بمعارضين ومناضلين مسالمين، فقد منعت تركيا ندوة فكرية كانت تنظمها مؤسسة عبد السلام ياسين، مؤسس جماعة "العدل والإحسان"، بمدينة إسطنبول، في 16 شتنبر من السنة الماضية، كما منعت قبل ذلك الرجل الثاني في الجماعة فتح الله أرسلان، من دخول أراضيها سنة 2015.
 

وسبق لي شخصيا، أن منعتني السلطات التركية، من دخول أراضيها، منتصف 2013، بعد حوالي شهرين من توقيع اتفاقية أمنية وقضائية بين أنقرة والرباط، وقد كنت في زيارة لتركيا لإجراء تغطية صحفية تخص اللاجئين السوريين على أراضيها. فتم منعي من الدخول، وترحيلي من المطار مباشرة، دون تقديم أي توضيحات، لاحقا علقت منظمات حقوقية، أن هذا المنع تم بتوصية من الرباط، خاصة بعد اعتقالي بعد أربعة أيام من عودتي إلى المغرب.
 

إن هذا المنع المتكرر، والذي أصبح يكتسي الطابع الممنهج والمدروس في إطار اتفاقيات التعاون، التي تربط البلدين، لا يبشر بخير، ويضع التجربة التركية في المحك، فبعد تقاربها مع روسيا، وتنسيقها مع أمريكا، على حساب الثورة السورية، بل على حساب آمال وآلام الشعب الروسي "حلب نموذجا"، وبعد دخولها في متاهة التنسيق الأمني والاستخباراتي، مع الأنظمة العربية، لاستهداف المناضلين والمعارضين السلميين.

ما لا يمكن تفهمه أن تصبح تركيا بوليسيا، تتعقب ضيوفها وزوارها، تقفل دونهم الأبواب، ترحلهم في أولى طائراتها ليلقوا مصيرهم، بحجة أنهم معارضين سياسيين لأنظمة عربية.

يبدو أن هناك براغماتية كبيرة بدأت تحكم تركيا أردوغان، ستخيم على كل تلك الشعارات التي أكسبته القبول والشعبية في العالم الإسلامي، فإذا فعل أردوغان ذلك في حق جماعة سياسية مسالمة "العدل والإحسان" وهي خليط من التصوف والمنهج الإخواني، أقرب لتصور ومنهج ومعتقد حزب العدالة والتنمية التركي الصوفي النقشبندي. فكيف سيكون تصرفها وسلوكها مع معارضين آخرين، إسلاميين ومن باب أولى حداثيين.
 

نتفهم أن تستنفر تركيا أجهزتها الأمنية والاستخباراتية وتوظف علاقاتها وتستثمرها، وتكثف تعاونها الأمني والاستخباراتي، بعد موجه العنف الإجرامية الحقيرة التي تستهدفها، وبعد تحولها من منطقة عبور، إلى هدف للعمليات الإرهابية، نتفهم أن تنوع علاقاتها، خاصة بعد توتر علاقتها مع مصر، الدولة الأمنية البوليسية والاستخباراتية بامتياز، مما قد يؤثر على قاعدة البيانات والمعلومات لديها، فتسعى لتداركه عن طريق شركاء آخرين، خاصة إذا كان المغرب أحد أولئك الشركاء، بما راكمه من تجارب وإنجازات في هذا الباب، نتفهم أن تتموقع تركيا في هذا الموقع دفاعا عن أمنها.
 

لكن ما لا يمكن تفهمه أن تصبح تركيا بوليسيا، تتعقب ضيوفها وزوارها، تقفل دونهم الأبواب، ترحلهم في أولى طائراتها ليلقوا مصيرهم، بحجة أنهم معارضين سياسيين لأنظمة عربية. وأن يتحول المغرب لأداة بيد الحكومة التركية، تنفذ بها تضييقها وانتقامها من مشاريع تنموية، أداة تدمر مصير أبناء البلد، حيث لازال 2500 تلميذ ضائعين تائهين، لا جرم لهم، سوى متابعتهم الدراسة في مؤسسات، تقول تركيا أنها تتبع لمعارض سياسي.