أقلامنا بين التعسف والتشعب

blogs- pens

سالفاً كنت أمتطي صهوة الأوراق دون أن أخشى الوقوع من اندفاعٍ أو وقوفٍ مفاجئ؟! سالفاً كنت أستطيع الحديث عن أي أمرٍ دون التردد ودون أن يصاب قلمي بحمى الإحباط ولو كانت الأفكار ساذجة أو ذات بعدٍ، لم يكن يعنني الأمر بقدر ما يهمني أن أفرغ ما يجول في عقلي المبتلاة بهِ!
 

الحقيقة أن القلم يستنزف صاحبه، فكما يقال في الأمثال الشعبية البسيطة: "كثر الحكي بغلط" إن صح التوصيف؟! وكثرة الكتابة تجعلنا نقع "بالمحظور" دون احتساب "حسن النية" وربما من العوامل المحبطة والمقيدة للكاتب "تشعب" الأحداث وتسارعها ليصل الأمر إلى درجة قتل الأفكار قبل ميلادها! أو معاقبتها دون معرفة ما عجز القلم عن التعبير عنه أو إيصاله بالصيغة الصحيحة.
 

ودعوني لا أنسى أن الكاتب يتكئ على القارئ في رفضه أو تقبله لمضمون مقاله وبما أن العالم أجمع دون استثناء مصابون بالإحباط المبرر فأصبح إيصال الفكرة أشد بأساً من كتابتها! بعض الكتاب يمتهنون الكتابة والآخرون يكتبون لأجل الكتابة وهذا الأمر بحد ذاته جديرٌ بأن يفتك بكامل عزيمتك وأفكارك ورؤاك! فترى هذا يستفز الشارع والآخر يتلاعب بحلمه والأخير يصرف وعوداً تكلفتها تُقدر بملايين الآمال المعلقة على محتواه!
 

فمن أين نبدأ وكيف ننتهي؟!
هذه المحطات التي نعبر بها بسرعة الضوء بما تحتويه من استراحات مُظلمة كيف لنا أن نصفها أو نتحدث إليها أو نخلق لغة حوارٍ بيننا وبينها وجُلها الآمٌ وحرمان وانعدام ثقةٍ بالمُطلق الآدمي؟! جميعنا نحمل آراءً اختلفت أو تشابهت فهي آراء، معتقد، أيدلوجية، ردة فعل، مبدأ، تعبئة، تشرذم، أنانية.. إلخ. هي بالمحصلة آراء وولادات فكرية نتجت عن محيط يمتاز بالتخبط والفوضى العارمة!
 

في الزمن الجميل كان الهم واحد والجهة التي تنطلق منها الصواريخ واحدة والجبهات بمسمياتها وباختلافاتها الأيدلوجية واحدة وكنا ننتظر مؤتمراً لحل الدولتين أو انتفاضةً جديدة تحقق حلم العودة

ولكن من منا يملك القدرة على موازنة وربط وتحليل جميع هذه المدخلات؟! لا أحد! ومن يقول عكس ذلك فقد ظلم نفسه فأنا أؤمن بأني أستطيع العمل والتركيز في أمرٍ فقط ودون ذلك لن أتقن ما تبقى بذات الوعي والإدراك والتحليل. أمضيت فترة طويلة أستمع لحديث العامة من سائقي تكاسي إلى طلاب جامعات إلى أمهات إلى عاطلين عن عمل إلى تجار لأجد شيئاً مشتركاً بين همومهم، جميعنا نبدأ بلقمة العيش وننتهي بالفساد وما بين الأمرين يقع الأمر الأشد أرقاً وتعباً، شعرت مؤخراً بأننا نعلم أين موطن الألم ولكننا لا نملك الشجاعة الكافية للنظر إليه..
 

والأهم لا نعلم كيف نعالجه؟! قد تقف هذه العبارة مرتجفة أمام المؤولين والمحللين ولكي لا تحتمل التأويل الكثير سأوضحها لكم.. ما بين لقمة العيش والفساد يكون الوطن، الوطن الذي اجتمع الجميع بأنهم "القابضون على ترابه" وبعد كل غضبةٍ أو "تنفيسة" من كل مكروب تراه يبحث بأركان فضاء وطنهِ قائلاً "والله ما بتهون علينا البلد" أو "الله يحمي البلد" جميعهم يخشون على الأرض والعرض وجميعهم دروع بوجه الظلم والاستبداد والإرهاب والفوضى، فنحن نتكلم عن "الوطن" فكيف لك أن تعبر عن قهرك أو تكتب عن قضية يقع بينها وبين حقك الوطن؟!
 

أليس هذا جهادٌ بأضعف الإيمان؟! في الزمن الجميل كان الهم واحد والجهة التي تنطلق منها الصواريخ واحدة والجبهات بمسمياتها وباختلافاتها الأيدلوجية واحدة وكنا ننتظر مؤتمراً لحل الدولتين أو انتفاضةً جديدة تحقق حلم العودة، في الزمن الجميل كانت العلمانية والماركسية والشوفينية والإسلامية واليسارية والاشتراكية تتفق أن لا تتفق وإن اختلفت فالصفوف واحدة حتى في القتال واحدة!
 

في الزمن الجميل كانت الرصاصة تخرج من فوهة الاتفاق إلى قلب العدو أما اليوم تخرج من آلاف بنادق الاختلاف إلى قلب العروبة! فكيف نكتب؟ في الزمن الجميل كان رغيف الخبز يكفي بيتاً فكان يُخبز بقمح "البركة" والتكافل الاجتماعي وكان الفساد جنيناً في بطن الأرض فلم نكن نكترث بلقمة العيش بقدر ما كنا نجتمع حولها!
 

نحن القابضون وهم المستغلون.. نعم نحن محبطون تماماً من الفساد والظلم ومؤمنون تماماً بحق الوطن علينا وما بين الأمرين عسى أن يكتب الله لنا سعة الصدر والرزق، وما دون ذلك لا أملك أن أقول سوى: فصبرٌ جميل والله المستعان.