مواجهة العنصرية حتى الرمق الأخير

blogs- العنصرية
الثقافات الأحادية المنغلقة على نفسها تكون دائما هي مصدر الفشل، وتصبح منبعا للتراجع والسقوط، وفي المقابل فإن الثقافات التعاونية والانفتاح على الآخرين والعمل بمنظور التقوى والبعد عن العنصرية بصورها المتعددة خلال ممارسة العمل الإداري في المؤسسات؛ هو القلب الذي يوجهنا نحو النهضة والحضارة والبناء والارتقاء.
 

كنا خير أمة أخرجت للناس عندما اجتمع سلمان الفارسي وصهيب الرومي وبلال الحبشي وعبد الله القرشي وأبو ذر الغفاري، بل وبنينا حضارةً تحدث عنها القياصرة والأكاسرة، هؤلاء الذين أُذلت أنوفهم أمام عظمة الإنسان المسلم الذي لم يخالجه في ذلك الوقت الشعور بنشوة العائلية أو العنصرية المقيتة.
 

على مر العصور تعطّش الناس للعيش في كنف حضارتنا الإسلامية السامية، وتحت ظلالها من مشارق الأرض ومغاربها، فهي حضارة طاهرة معتدلة وعادلة وخالية من كل المعاني السلبية المُكبِّلة للتقدم والرقي والازدهار.
 

نُصاب بالألم البالغ عندما نرى مركبتنا تسير ببطء شديد مع أنها قوية، بينما الغرب تجاوزوننا بمركبته المهترئة آنذاك، تجاوزونا ونحن ننظر إليهم وإلى تقدمهم.

يُربَّى بعض الناس على العنصرية بصورها المتعددة، فتتم دعوتهم للتمسك بحبالها البالية التي سرعان ما تتقطع، ويعتقد مربوهم أنهم يُسلكونهم سبيل الرشاد، لكن الطرفين حتما سيصلون في مرحلة عمرية قادمة إلى نقطة الندم على الخسارة المُركّبة الناتجة عن تعبئة ذاك الجيل بطريقة خاطئة كأنهم آلات ميكانيكية على غرار طريقة تعليب علب الأسماك.
 

لو افترضنا جدلا أن بعض المربين يتحملون المسئولية الحصرية لواقعنا قبل 20 عاما أو يزيد؛ فإننا نحن من نتحمل جزءً كبيرا من المسئولية هذه الأيام عن واقعنا اليوم الذي هو في حاجة ماسّة إلى التغيير نحو الأفضل.
 

أريد أن أطرح سؤالا بريئا، هل يعقل أن نعيش في زماننا هذا على وقع خربشات الورق الأصفر والأقلام الجافة متقطعة الخطوط وعلى وقع العنصرية المقيتة القاتلة التي انتشرت في مجتمعاتنا العربية خلال سنوات مضت، بينما نحن نعيش الآن في عالم الرقمية والتكنولوجيا الحديثة والأقمار الصناعية ووسائل التواصل الاجتماعي التي نقلتنا من عالم إلى عالم آخر؟ أعتقد جازما أن الإجابة مفهومة لأولى الألباب، فالفرق شاسع وكبير ويحتاج إلى وقفة جادة مع النفس.
 

نُصاب بالألم البالغ عندما نرى مركبتنا تسير ببطء شديد مع أنها قوية، بينما الغرب تجاوزوننا بمركبته المهترئة آنذاك، تجاوزونا ونحن ننظر إليهم وإلى تقدمهم وطريقة تفكيرهم نحو فهم الحضارة والتنمية. لقد خطفوا حضارتنا ولبسوا ثيابنا وتبنّوا تعاليمنا في تحكيم العقل واحترام الإنسان وعدم الولوج إلى الأشياء إلا من منظورها التطويري البَنّاء حتى وصلوا إلى ما وصلوا إليه، وحتى وصلنا نحن إلى ما وصلنا إليه.
 

لا يزال باقياً في مجتمعاتنا بعض الخصال التي تدعو إلى العصبية القبلية وإلى العنصرية العائلية للأسف، ولكن لا يعني بقاؤها أنه أصبح أمراً مقبولاً وواقعاً محتوماً لابد من القبول به، بل إن المثول أمامه والاستسلام له هو الهزيمة بكل ما تحمل الكلمة من معنى.

حتى الرمق الأخير سنبقى نعلي أصواتنا نحو الترفع عن الرذيلة الإدارية والتوقف تماما عن ارتكاب الأخطاء الجسيمة التي تعتبر امتدادا للجاهلية الأولى والعنصرية العائلية المدمّرة للقلوب والنفوس والعمل.

إعلان

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.


إعلان