| بات من الضروري تأسيس جانب نظري دقيق وسديد لمفهوم الدولة -مثلا- الدولة كمفهوم كلي يتناول مجالات الحياة جميعها. |
وثمة أمثلة كثيرة على هذا التداخل الغريب والمخيف في آن، بين المصطلحات والمفاهيم في أثناء الخطاب العلماني المعاصر، فيخلطون بين النص الإنساني والنص الإلهي. فيتعاملون مع التراث ممثلا بالأحداث التاريخية لدولة المسلمين، وما صدر عن الخلفاء، والفقهاء، والمفسرين، والعلماء على أنه دين مقدس، أو أمر حتمي لمنظومة الفكر الإسلامي في الشأن السياسي وغيره، ولعل هذا ما يفسر لنا أطروحتهم في فصل الدين عن الدولة.
وقل مثل ذلك في بعض الإسلاميين الذين لا يختلفون في كثير من الأمر عن العلمانيين، إذ إنهم يدمجون بين الدين كعقيدة؛ أي: الأصول التي تمثل أركان الدين الإلهي، الذي أوحى به الله -سبحانه وتعالى- إلى رسله وأنبيائه، وبالذات عقيدة التوحيد، والنبوة والرسالة، والبعث والحساب والجزاء، والعمل الصالح، إذ هو المعنى الحقيقي للدين -كعقيدة- وبين ما هو منتج بشري؛ أي: هو اجتهاد علمي خاضع لمناهج علمية ونظريات ومرجعيات وقواعد وأسس، وهي متغيرة بتغير الأحوال والأفهام والأدهار: كالفقه وأصوله، وأصول الحديث وعلومه، وعلوم القرآن، والسيرة، والتاريخ بكل ما فِيه من أحداث وشخصيات ومسائل.
ويتخلل بعض مقالاتهم شيء من الإبهام والغموض في حديثهم عن الشريعة وتحكيم الشريعة إذ يخلطون بين الشريعة بمفهومها العلمي في الإسلام والمتمثلة بالتكاليف الدينية؛ أي بالشعائر التعبدية ومنظومة القيم والأخلاق، وبين الفقه وفقه المعاملات (القانون).
ومهما يكن من حجم هذه الإفادة، فإن أي حوار بين الطرفين لا بد له أن يكون مبنيا على قاعدة معرفية مشتركة، وأرضية فكرية متينة، وهو ما عبر عنه النص القرآني بـ"كلمة سواء" أو على الأقل أن يضع كل تيار على حدة نظرية متكاملة متفقا عليها داخل التيار الواحد، حول كل المصطلحات والمفاهيم التي تُتداول وتُناقش. وهكذا، فقد بات من الضروري إعادة النظر في تلك المسائل، وذلك بتأسيس جانب نظري دقيق وسديد لمفهوم الدولة -مثلا- الدولة كمفهوم كلي يتناول مجالات الحياة جميعها: السياسية والاقتصادية والاجتماعية والعسكرية والتربوية…إلخ.
ولا ضير أن تكون ذات نظام ابتكاري وإبداعي وليست تقليدا واتباعا، وحتى يتحقق ذلك أرى بضرورة العمل على مشروع جديد لمفهوم الدولة، وتحت مصطلح جديد أيضا؛ ليخرجوا من دوامة القوالب الفكرية الجاهزة والملقَّنة لمفهوم الدولة، وليكن هذا المشروع مثلا تحت مصطلح "الدولة الحضارية"، وذلك في إطار هويتنا وديننا وقوميتنا وعصرنا وراهِنِنا، لا في دائرة التبعية للغرب أو في دائرة تاريخ يختلف عنا زمانا ومكانا وبيئةً وثقافة، وذلك كل حسب تياره كأساس ينطلق منه التياران للحوار والبناء. وعندي أن غياب المفهوم الحقيقي -في عالمنا العربي- للدولة، إلى الآن، فإن الصراع بينهما لا يعدو كونه مهاترات ممجوجة، وترّهات سمجة، وسفسطة غثة، وجدلا بيزنطيا العلم بموضوعه لا ينفع، والجهل به لا يضر.
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

