فَوضى المفاهِيم في الخطاب الإسلامي-العلماني!

Blogs - islam
 شهدت منطقتنا العربية وما زالت تشهد صراعا كبيرا ومعقدا ربما مئة عام ونيّف، بين تيارين كبيرين يمثلان نخبة النخبة من المثقفين والعلماء والمفكرين، تيار ينتمي إلى الفكر الإسلامي، وآخر إلى الفكر العلماني، ولقد احتدم الصراع بين ذينك التيارين احتداما شديدا وعويصا، سواء أكان على شكل مناظرات ثقافية، أو محاضرات وندوات علمية، أو خطب ودروس أو برامج فكرية، وذلك حول فكرتين رئيستين، الأولى: فكرة الدولة فهل هي دينية أم مدنية أم إسلامية؟ والثانية: فكرة فصل الدين عن الدولة أو فصله عن السياسة.

وفي الحق، فإن المتتبع لتاريخ هذا الصراع الطويل نسبيا والمتشابك سيلحظ أن ثمة غلطا واضحا في أرضية النقاش وجدرانه وسقفه، وأن حديث التيارين لا يعدو كونه حديثا ناتجا عن غضب وحمية أو عن تقليد واتباع أعميين، وأن القاعدة الفكرية أو العلمية التي ينطلق منها التياران قاعدة بالكاد نعرف معالمها ومعايرها وحدودها، ويشوبها شيء من الخلط واللبس والتشويش.

وليس من شك أن الناظر إلى ما ورد على لسان الإسلاميين والعلمانيين، في منطوقهم ومكتوبهم، سيدرك جازما، أن أغلب الخلاف الواقع بينهما ما هو إلا خلط معرفي مركوز في تعدد المفاهيم وتعالق بعضها ببعض، فضلا عن وجود بُعد ثقافي منسوج على السؤال وجوابه مسبقا، وبتعبير آخر، فإن عدم تحديد مفهوم معين متفق عليه داخل المنظومة المعرفية لكل تيار، وعند جمهور المثقفين والمتعلمين، ليكون بمثابة أرضية مشتركة للجميع؛ للوقوف عليها والانتقال منها، هو مَن رسم مخطط المعمار العِدائي وأرسى قواعده وبناه. وحتى لا يذهبن بالقارئ الكريم الوهمُ إلى الغلاة والمتشددين من الجانبين، فإن ما أعنيه بالتيارين هو: تيار العلمانيين الوطنيين والقوميين، من جهة، وتيار الإسلاميين المجتهدين المجددين لحضارة الإسلام، من جهة أخرى، وذلك كما وضحهما الدكتور محمد عمارة في مقال له نشر في مجلة الهلال عدد شهر سبتمبر سنة 1990، بعنوان "الحوار بين الإسلاميين والعلمانيين" حيث فرّق بين الشرائح المختلفة داخل التيارين الأساسيين، إذ قسّم العلمانيين إلى ثلاثة أقسام: العلمانيين الثوريين الملاحدة، والعلمانيين التابعين للغرب، والعلمانيين الوطنيين والقوميين. إزاء ذلك قسّم الإسلاميين إلى أربعة أقسام: الإسلاميين النُّصوصيين، والإسلاميين الغلاة، والإسلاميين الحركيين أو الحزبيين، والإسلاميين المجتهدين والمجددين لحضارة الإسلام.

ونحن إذا ألقينا نظرة شاملة على مقولات عدد غير قليل من العلمانيين، وبلا إعمال عقل، سنجد أنهم لا يميزون بين السياسة والدولة، فبعضهم يريد فصل الدين عن الدولة وهو يعني السياسة، وبعضهم يريد فصل السياسة عن الدين ومقصده الدولة. لا مِرْية أن خطابهم فيما يتعلق بالسياسة والدولة يعتريه شيء من الفوضى واللغط، إذ يتعاطون معهما بوصفهما مصطلحا واحدا دالا على مفهوم واحد -بمعنى آخر- يتعاملون معهما كمترادفين، وهذا خطأ كبير وفساد معرفي عريض. وبعضهم يَخلط بين الدولة الدينية والدولة الإسلامية؛ إذ يناقش رفض فكرة الدولة الإسلامية على أنها دولة دينية بالمفهوم الكهنوتي أو الكنيسي لهذه الدولة، أو ينظرون إلى الدولة الإسلامية كنقيض للدولة المدنية. وفي أحايين كثيرة لا يفرقون بين الدين بوصفه عقيدة وأركانا وأعمدة مقدسة وثابتة، وبين الإسلام بوصفه منهج حياة يشمل العقيدة والمعاملات والأخلاق والسلوك والفكر والتربية… إلخ، وذلك في إطار مبادئ عامة جاء بها الإسلام وأغلبها يتفق مع المبادئ العامة للإنسانية والأخلاق العالمية التي فُطر عليها البشر. وعلى هذا الأساس، فإن الحديث عن فصل الدين عن الدولة يختلف اختلافا كليا عن فصل الإسلام عن الدولة، ويختلف أيضا لو كان فصلا عن السياسة.

بات من الضروري  تأسيس جانب نظري دقيق وسديد لمفهوم الدولة -مثلا- الدولة كمفهوم كلي يتناول مجالات الحياة جميعها.

وثمة أمثلة كثيرة على هذا التداخل الغريب والمخيف في آن، بين المصطلحات والمفاهيم في أثناء الخطاب العلماني المعاصر، فيخلطون بين النص الإنساني والنص الإلهي. فيتعاملون مع التراث ممثلا بالأحداث التاريخية لدولة المسلمين، وما صدر عن الخلفاء، والفقهاء، والمفسرين، والعلماء على أنه دين مقدس، أو أمر حتمي لمنظومة الفكر الإسلامي في الشأن السياسي وغيره، ولعل هذا ما يفسر لنا أطروحتهم في فصل الدين عن الدولة.

وقل مثل ذلك في بعض الإسلاميين الذين لا يختلفون في كثير من الأمر عن العلمانيين، إذ إنهم يدمجون بين الدين كعقيدة؛ أي: الأصول التي تمثل أركان الدين الإلهي، الذي أوحى به الله -سبحانه وتعالى- إلى رسله وأنبيائه، وبالذات عقيدة التوحيد، والنبوة والرسالة، والبعث والحساب والجزاء، والعمل الصالح، إذ هو المعنى الحقيقي للدين -كعقيدة- وبين ما هو منتج بشري؛ أي: هو اجتهاد علمي خاضع لمناهج علمية ونظريات ومرجعيات وقواعد وأسس، وهي متغيرة بتغير الأحوال والأفهام والأدهار: كالفقه وأصوله، وأصول الحديث وعلومه، وعلوم القرآن، والسيرة، والتاريخ بكل ما فِيه من أحداث وشخصيات ومسائل.

ويتخلل بعض مقالاتهم شيء من الإبهام والغموض في حديثهم عن الشريعة وتحكيم الشريعة إذ يخلطون بين الشريعة بمفهومها العلمي في الإسلام والمتمثلة بالتكاليف الدينية؛ أي بالشعائر التعبدية ومنظومة القيم والأخلاق، وبين الفقه وفقه المعاملات (القانون).

ومهما يكن من حجم هذه الإفادة، فإن أي حوار بين الطرفين لا بد له أن يكون مبنيا على قاعدة معرفية مشتركة، وأرضية فكرية متينة، وهو ما عبر عنه النص القرآني بـ"كلمة سواء" أو على الأقل أن يضع كل تيار على حدة نظرية متكاملة متفقا عليها داخل التيار الواحد، حول كل المصطلحات والمفاهيم التي تُتداول وتُناقش. وهكذا، فقد بات من الضروري إعادة النظر في تلك المسائل، وذلك بتأسيس جانب نظري دقيق وسديد لمفهوم الدولة -مثلا- الدولة كمفهوم كلي يتناول مجالات الحياة جميعها: السياسية والاقتصادية والاجتماعية والعسكرية والتربوية…إلخ.

ولا ضير أن تكون ذات نظام ابتكاري وإبداعي وليست تقليدا واتباعا، وحتى يتحقق ذلك أرى بضرورة العمل على مشروع جديد لمفهوم الدولة، وتحت مصطلح جديد أيضا؛ ليخرجوا من دوامة القوالب الفكرية الجاهزة والملقَّنة لمفهوم الدولة، وليكن هذا المشروع مثلا تحت مصطلح "الدولة الحضارية"، وذلك في إطار هويتنا وديننا وقوميتنا وعصرنا وراهِنِنا، لا في دائرة التبعية للغرب أو في دائرة تاريخ يختلف عنا زمانا ومكانا وبيئةً وثقافة، وذلك كل حسب تياره كأساس ينطلق منه التياران للحوار والبناء. وعندي أن غياب المفهوم الحقيقي -في عالمنا العربي- للدولة، إلى الآن، فإن الصراع بينهما لا يعدو كونه مهاترات ممجوجة، وترّهات سمجة، وسفسطة غثة، وجدلا بيزنطيا العلم بموضوعه لا ينفع، والجهل به لا يضر.

إعلان

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.


إعلان