بين المسرح الغربي ومسرح النو الياباني

blogs - مسرح
بين التقليد والإبداع
المسرح الغربي يمثل التقليد، وهو الشائع والمعروف بأن يقف الممثلين على خشبة المسرح، في صالات مغلقة بوجوههم المعروفة، اللهم بعض التغييرات الطفيفة في المكياج، ومسرح النو الياباني يمثل الابتكار والتجديد، من خلال وضع الممثلين أقنعة على وجوههم ترمز إلى الدور الذي يلعبه الممثل على خشبة المسرح.

ومفهوم هذه المقدمة ليس في المقارنة بين المسرحين، ولكن في شيوع المسرح الغربي بين شعوب عشقت التقليد، وغياب مسرح النو الياباني، وعليه فإن مجرد الخروج من تقليد الشائع إلى تقليد المجهول يمثل خطوة في الانطلاق نحو الابتكار والإتيان بجديد. 

هذا المقال يستهدف نطاقا جغرافيا وإيدلوجيا يشمل المنطقة العربية إجمالاً، وينطبق على كل من شابهنا في الملامح والثقافة والتراث والإنتاج والواقع. 
ما بين ماضي الأجداد وحاضرنا بَون شاسع، تتجلى ملامحه في أنهم كانوا أكثر حضارةً منا، ونحن أكثر مدنية منهم.

الحضارة هي أن تصنع نتاجا ماديا ومعنويا، يُترجم الأول على شكل عادات وتقاليد وفنون وفلكلور، ويتمثل الثاني في فكر وثقافة وعلوم.
الأجداد رغم محدودية الأدوات والتقنيات التي تساعدهم على العمل والإنجاز إلا أن جهدهم انصب على الابتكار والاتيان بجديد، بينما أجيال حاضرنا ركزت جهدها في التقليد أو التوسع، وبناء مدنية مستوردة مثلت خليطا من مجموعة ثقافات متناقضة. 

نحتاج إلى إفشاء أساليب التفكير النقدي والتفكير الإبداعي  وكل من هذين الأسلوبين له أدواته وتقنياته.

ذكر الدكتور طارق السويدان في محاضرته التي ألقاها في دولة المغرب "الشباب وسؤال الانبعاث الحضاري" أن ما تقوم به بعض الدول العربية الثرية من استقطاب وتقليد للمدنية الغربية والشرقية هو عبارة عن ترقيع يفقد المدينة أو الدولة مزاياها التي تختص بها. 

فصعود برج في مدينةٍ ما هو نفسه صعود أي برج في العالم، إذا ما أخذنا في الحسبان الفوارق في الارتفاع ليس إلا، وإذا اقتصر الهدف على الارتفاع والإطلالة فقط، ولم يكن هناك أي بعد حضاري من بناء وتشييد تلك الأبراج. 

وشوارع بعض المدن العربية وفنادقها وضجيج المظاهر الغربية والآسيوية لا يمثل البتة أي عمق لتلك الدول، وإنما تمثل سوقا مركزية يمارس فيها البشر أعمالهم ويتبادلون مصالحهم. 

وعلى مستوى الفلكلور الشعبي، استطاع الأجداد ابتكار عدد من الرقصات التي تمثل إما استعداداً لحروب يخوضونها ضد الأعداء، أو تشرح ماهية المهن التي يزاولونها، سواء كانت في الزراعة أو الصيد البري أو البحري. بينما حاضرنا اقتصر على التقليد في كل شيء، سواء للماضي أو للآخر، وإجراء بعض التغييرات التي تثبت مدى الجمود والانغلاق. 

نحن بحاجة إلى الانفتاح ليس مع الآخر، ولكن الانفتاح مع العقل، وتطوير أساليب التفكير التقليدية، إلى أساليب إبداعية تحفّز العقل البشري على الابتكار والاتيان بجديد.
التعليم يمثل معضلة، وعن طريقه فقط يمكن التغيير وبناء جيل يفكر بشكل صحيح، ولعلنا لازلنا نعرج في الوصول إلى التعليم التطبيقي، الذي من خلاله يمكن الإنتاج، ومع ذلك فإنه لا يمثل شيئاً من الإبداع. 

المشهور في المدارس العربية وحتى الجامعات أنها تقوم بعملية تلقين، فيتخرج لدينا مجموعة من الموسوعات التي تحفظ بدون فهم، وإذا فهمت ففهمها لا يتجاوز النص دون أن تمتلك القدرة على التطبيق وإسقاط ما تعلمته وحفظته لحل مشاكل الواقع، ولا تتعجب عندما تعرض على متخصص مشكلة فيرد عليك بنصوص منقولة من كتب من غير شرح أو بيان. 

العادات والتقاليد ليست حكراً على الماضي، وخلق ممارسات جديدة سوف تمثل عادات في المستقبل، كما أن القضاء على العادات الخاطئة سوف يشكل مظهر الأجيال القادمة.

ولعل الجانب الذي يعتبره البعض مضيئا نوعاً ما، هو وجود نوع من التطبيق العملي، واستخدام أساليب تحليلية للوصول إلى حلول، وهذا التعليم على الرغم من أنه يفْضُل الأول، إلا أنه يقف عند تحليل الماضي وحل مشكلة الحاضر، ولا يرقى ليتمكن من التعامل مع المستقبل، والذي يمثل حقيقة التنافسية بين الشعوب. 

نحتاج إلى إفشاء أساليب التفكير النقدي critical thinking والتفكير الإبداعي creative thinking، وكل من هذين الأسلوبين له أدواته وتقنياته، سواء من خلال طرح الأسئلة (ماذا، كيف، لماذا، متى، أين) أو من خلال تقنيات العصف الذهني لتوليد أكبر كم من الأفكار، ومن ثم تصنيفها وفرزها وتحليلها، أو من خلال احتواء الصورة الكاملة باستخدام الخرائط الذهنية mind mapping.

ولو وجِد هذا النوع من التفكير لما استطاع البعض تمرير بعض الأفكار المستهجنة والغريبة، إذ كيف يمكن قبول فكرة نظرية داروين في أصول الأنواع، والذي رفضها لم يكن ذلك بناء على فهم ودرء بالحجة، وإنما من خلال عواطف موجودة مسبقاً، والدليل قبوله ببعض الفتاوى في تحريم المذياع وما شابهه.

خلاصة القول ابحثوا عن الجديد، والعادات والتقاليد ليست حكراً على الماضي، وخلق ممارسات جديدة سوف تمثل عادات في المستقبل، كما أن القضاء على العادات الخاطئة سوف يشكل مظهر الأجيال القادمة، فمرور مائة عام من حياتنا دون أن نثريها بشيء مختلف، سوف يضعنا في خانة النسيان.