شعار قسم مدونات

في حرم سفارة ترمب

blogs - trump
ما زلت أذكر جيدا عندما دخلت السفارة الأمريكية بعد سقوط بغداد في عام ٢٠٠٣ وذلك الكم الهائل من المشاعر ملأت داخلي.. كيف تسمى سفارة وسفيرها دخل إلى العراق على ظهر دبابة مشت في طريق دخولها على جثث العراقيين وأحلامهم في الحرية وأي حرية..
 

وتكررت الزيارات لتلك السفارة مع كادر التصوير مرة للقاء مسؤول أمريكي ومرة لحضور مؤتمر صحفي ومرات كثيرة لأسباب أخرى.. أكون هناك وأنا مشوش الأفكار بين عملي وبين حبي للوطن.. تتضارب مشاعري بين رافض للاحتلال ومتشائم مما سيحصل على يديه وبين متفنن في عملي أريد أن أنهيه كما طلب مني.. لكني أقف مكتوف الأيدي لا أعترض ولا أوافق.. وهذا حالي كحال معظم الناس لا حول لي ولا قوة وتكرر هذا الموقف في كل مرة أدخل ذاك المكان أو أي مكان تحت سيطرة القوات الأمريكية.

لأمريكيون يعرفون كيف يجعلون قلوب الناس تتهافت إليهم فالفرص كثيرة ما بين شهرة أو منصب أو مال.

فأنا لا أريد أن أكون في هذا المكان ولا أريد أن أصبح جزءا من هذا الخليط المزدحم فقد كانت تلك السفارة مزدحمة من كل الجنسيات والطوائف كل يبحث عن قطعة من الكعكة ومنهم من يريد الكعكة كلها.. والأمريكيون يوزعون ما لا يمتلكون ويبنون على أرض "عمرها أقدم من مجموع أعمارهم" موطئ قدم لهم ولمن سيكون معهم.

جدلية كانت علاقتي مع الأمريكان فأنا قريب منهم بحكم عملي ولكني بعيد عنهم في داخلي بُعد أمريكا عن العراق.. والحال نفسه عندهم فهم يكرهوننا لأننا نعريهم بصورنا ونكشف كذبهم ولكنهم حريصون على أن نكون موجودين قربهم في كل حدث أو حادثة.

فالأمريكيون يعرفون كيف يجعلون قلوب الناس تتهافت إليهم فالفرص كثيرة ما بين شهرة أو منصب أو مال.

تتمركز السفارة خلف دروع محصنة تحتاج إلى ساعات حتى تصل إلى داخلها.. وتحتاج إلى مراحل من التفتيش الدقيق والالتزام الدقيق بالأوامر حتى تمر في كل مرحلة.

وتمر الأيام وكحال الكثير من العراقيين تغربت وتغربت معي أحلامي وآمالي، وسافرت كثيرا وأقمت في أمكنة أكثر والجدل في داخلي مستمر بين الوطن والغربة بين الأمل واليأس بين الحنين إلى الأهل والأصحاب وبين الطموح والمستقبل بين الحياة والموت.

وقبل فترة بدأت الأصوات تتعالى من حولي وينصحني أصدقائي في زيارة بلاد العم سام، وأتت النصيحة من كل صوب فمنهم من ينصحني باللجوء ومنهم من يرغبني في السياحة، ومنهم من يغريني برخص الأسعار وبعد إلحاح قررت أن أجمع الأوراق والأصوات للحصول على تأشيرة السياحة، ومرت أيام وأنا أستعد وعدد الأوراق المطلوبة يزداد يوما بعد يوم من شهادة الراتب إلى حساب البنك وغيرها من المعلومات، وذهبت إلى الموعد وعاد الشريط السابق مع اختلاف المكان والزمان فقد مر عقد من الزمان منذ آخر زيارة إلى حرم السفارة ولكن الثقافة نفسها والوجوه نفسها وابتسامة مصطنعة وخوف ظاهر خلف نفس المتاريس التي أحاطت سفارة بغداد، ولكنها بشكل أجمل فما كان في بغداد وضع على عجل والجمال لا يصنع على عجالة.

أرض الأحلام تحولت إلى أرض الكوابيس لمن فيها من المهاجرين واللاجئين وما عادت تستقبل مريديها كما عهدت بالسابق.

ودخلت السفارة من جديد وعاد نفس الجدل كأنه لم ينتهي بل كان في سبات عميق وبالرغم من تبادل الابتسامات بيني وبين الموظفين انتهت زيارتي للسفارة برفض التأشيرة متعللين بأنه لا ضمان لديهم بأني لن أتحول بقدرة القادر من سائح إلى لاجئ.

استلمت الأوراق المتبقية ورسالة بسيطة تشرح سبب الرفض وعدت إلى البيت وأنا أسأل لم تم رفضي وبعد اتصالات مع الأصدقاء برر البعض بالانتخابات والآخر بسبب خلفيتي والآخر بسبب جنسيتي ولكن أغربها كان من صديق قال لي بأن هذا السفير متعصب ونصحني بأن أقدم مرة اخرى بعد الانتخابات بعد أن يأتي السفير الجديد لعله أن يكون أفضل من سابقه.

وانتهت الانتخابات وفاز السيد ترمب وما أن جلس على الكرسي في المكتب البيضاوي حتى هلت بشائر القرارات وقامت الدنيا ولَم تقعد وتأثر الجميع بتلك القرارات إلا أنا فأنا مرفوض من سابقه قبل أن أرفض من ترمب، فترمب وسابقه يعتقد أننا مصدر الاٍرهاب وأننا نهدد الحلم الامريكي وتناسوا أحلامنا وآمالنا التي تبخرت يوما بعد يوم بسبب الاحتلال وآثاره.

تكرر المشهد وسوف يتكرر في المستقبل فأرض الأحلام تحولت إلى أرض الكوابيس لمن فيها من المهاجرين واللاجئين وما عادت تستقبل مريديها كما عهدت بالسابق، ولن تبقى سفاراتها محمية ورسالتي إلى ترمب "عزيزي ترمب لولا الاٍرهاب الذي لدينا لما نشطت تجارة السلاح لديكم، ولولا تفككنا لما تغلغلت مخابراتكم فينا ولولا الفساد الذي لدينا لما عملت شركاتكم، ولولا قلت حيلتنا لما لجئنا إليكم نحن ندعمكم بشكل خفي.. مفيدة أراضينا وأموالنا فخذ ما شئت ولكن دع باب السفارة مفتوحا"

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.