الفردوس المزعوم ورفاهيتنا البائسة

blogs- الرفاهية
يعيش العالم أيامنا هذه رفاهية باذخة لن يجانبنا الصواب إن قلنا إن الإنسان لم يعش مثلها طوال تاريخه الطويل، وذلك على جميع الأصعدة، وفي كل النواحي الحياتية المختلفة، فهي رفاهية شاملة.

فهو يتمتع -وفق الإحصاءات- بصحة جيدة وحياة أطول، وأصبحت أقنية المعرفة ومصادر التعلم والتعليم متطورة جداً، ومتاحة للجميع بشكل سريع وواسع، لدرجة يستطيع المرء الاطلاع والقراءة عن أي شيء يريد -تقريباً- وهو متكئ على أريكته، وعلى مستوى السفر والمراكب فحدث ولا حرج، إلى درجة تحول السفر معها إلى متعة حقيقية، أما ما يتعلق بالاتصال والتواصل فالعالم يعيش ثورة حقيقية اختزلت المسافات، وألغت الحدود والقيود، ويكاد الزمن يختفي، وقد امتدت هذه الثورة الفارهة لتشمل الملبوسات والمطعومات، وخلقت وسائل للترفيه مسموعة ومشاهدة يعجز اللسان عن وصفها.

 
وما زال المستقبل واعداً -حسب ما يبشرنا به صناع الرفاهية- في صناعة حياة لا حدود للرفاه فيها، فقد نصل إلى حال ليس على الإنسان إلا أن يضل ساكنا في مكانه بينما تتولى الآلات تسيير شؤون حياته دون عناء وعلى أكمل وجه، ربما في وضع يشبه كما في فلم الإنميشن "wall" ولعله أفضل من ذلك، من يدري؟!
 

قد بين النبي صلى الله عليه وسلم أن سبب هلاك الأمم كان "المال" تحديداً وما يتبعه من التهاء بالدنيا واشتغال بنعيمها عما هو أهم وهو "الآخرة".

هذه الصورة الوردية الجميلة ما هي في الحقيقة إلا طلاء يخفي ورائه وجهاً كالحاً بائساً للمدنية المادية الغربية، التي تبنت "أيديولوجيا" الرأسمالية وحولتها بدورها إلى ما يشبه الوحش الكاسر الذي يبتلع ويدمر حياة الناس، فهي مجرد ماكينة للثروة لا غائية لها إلا المزيد من الثروة، فرأيناها تنتج الكثير من البضائع الرديئة التي لا حاجة لها في حياة الناس، ثم تسلط آلتها الدعائية التخديرية الرهيبة لتقنع الجميع بمزيد من الاستهلاك على اختلاف أجناسهم ومستوياتهم العمرية، وتعدهم برفاهية جميلة والتي هي في حقيقتها ثمار مسمومة تؤول بهم إلى الإسراف وتعكير الكوكب هوائه ومائه وغذائه.

 
لقد كرست الرأسمالية الغربية الثروة في يد حفنة قليلة من الناس، بينما يعيش البقية في دائرة مفرغة من الاستهلاكية اللانهائية لتبقى الحفنة القليلة في مزيد من الثروة المتضخمة الدائمة. "الجنة العاجلة" أو "الفردوس الأرضي" هو ما تبشر به الرأسمالية، ويزعم سدنتها أنها ما تسعى لتحقيقه من خلال دفع الناس لمزيد من الشراء ومزيد من الاستهلاك لأنها السبيل "الوحيد" والأسرع للدخول إلى هذا الفردوس الغارق في الرفاهية والنعيم!
 
وهي تنسب لنفسها -كما يقول المفكر الكبير عبدالوهاب المسيري- القدرة على تحقيق الفردوس في الأرض "الآن وهنا" بإشباع كل رغبات البشر، إن استسلم الناس لها وأسلموا لها القيادة!، وذلك حتى يتسنى الوصول في أسرع وقت ومن خلال أقصر الطرق إلى الفردوس الموعود. إنه اللهاث المريع وراء المال الذي حوله إلى "إله يعبد من دون الله"، وحول الإنسان إلى سلعة تَستهلك وتُستهلك كأي سلعة مادية أخرى، لقد اُمتهنت كرامته وسُفحت إرادته تحت وطأة الشركات العالمية العملاقة العابرة للحدود والقيود.
 
إذاً هي عبودية جديدة لأصحاب النفوذ المالي، والجزاء فردوس أرضي وجنة عاجلة عرضها النعيم والرفاهية المتجددة، بشرط أن يضل الفرد منهمكاً وغاطساً في وحل الاستهلاك القاتل غير متذمر ولا مقلع.
 
إن هذه العقيدة الزائفة تسوق الناس سوقاً نحو البحث المستميت عن المال، وترهن حياتهم له، غير عابئين بمصدره أو مآلات الجري المحموم وراءه وهذا الأسلوب في الحياة حذر منه الوحي أشد تحذير، وبين أنه نذير شؤم على الأمم وعلى الأفراد، وأن المركزية الأخروية هي الغاية الأسمى والفردوس الحقيقي، وذمّ الدنيا واللاهثين وراءها وكشف زيف نعيمها الزائل، وإنما هي فتنة مهلكة لمن انغمس فيها ونسي آخرته قال تعالى "إنا جعلنا ما على الأرض زينة لها لنبلوهم أيهم أحسن عملاً) وقال تعالى (فما أوتيتم من شيء فمتاع الحياة الدنيا وما عند الله خير وأبقى"، وقد بين النبي صلى الله عليه وسلم أن سبب هلاك الأمم كان "المال" تحديداً وما يتبعه من التهاء بالدنيا واشتغال بنعيمها عما هو أهم وهو "الآخرة"، قال صلى الله عليه وسلم: "والله ما الفقر أخشى عليكم، ولكن أخشى عليكم أن تفتح عليكم الدنيا كما فتحت على من كان قبلكم، فتنافسوها كما تنافسوها، فتهلككم كما أهلكتهم".
 
 

دخل الناس في سباق محموم للبحث عن المال عبر الاقتراضات البنكية إلى درجة تنذر بكارثة مالية فلا يكاد ينفق أحدهم الذي اقترضه حتى يتلهف مرة أخرى للحصول على قُرضة جديدة.

ونحن في بلاد العرب وخاصة المجتمع الخليجي لم نسلم من سفع لهيب هذه الإيديولوجيا الخطيرة، ويرجع ذلك للتأثير الحضاري الطاغي للحضارة الغربية المسيطرة على نواحي الحياة في عالمنا اليوم، ومظاهر هذا التأثر امتدت لتشمل حياتنا كلها، ولم يسلم منها -ربما- إلا النزر اليسير من الناس الذين ما زالوا يقطنون أعالي الجبال، أو أطراف البادية.

لقد دخل الناس في سباق محموم للبحث عن المال عبر الاقتراضات البنكية وتوسعوا في ذلك إلى درجة تنذر بكارثة مالية -حسب الخبراء-، فلا يكاد ينفق أحدهم المال الذي اقترضه حتى يتلهف مرة أخرى للحصول على قُرضة جديدة لينفقها على رفاهيته المؤقتة، وإذا أغلقت في وجهه السبل بحث عند الأفراد والمؤسسات ليشتري سلعة من سيارة ونحوها فيبيعها ويستهلك ثمنها، ليجد نفسه عند تقاعده قد غلت يداه إلى عنقه بديون "جبلية".

 
وبدأت العوائل في الإنفاق الجنوني على الكماليات والمحسنات الحياتية والمظاهر البراقة كل ذلك من أجل التفاخر والتنافس والتنعم والترفه الباذخ، وراحوا يقيمون الحفلات والمناسبات لأسباب مضحكة ومخجلة، ويقترضون الأموال لأجل السفر والتنزه والسياحة، وسلطت عليهم سياط الدعاية تلهب ظهورهم وجيوبهم ليستمروا في الإنفاق والترفه، وهي حلقة مفرغة لن يخرجوا منها أبداً.
 
إن الأمر خطير، يوجب على أرباب الدعوة والمصلحين الاجتماعيين وخبراء المال والاقتصاد وكل من له يد وقدرة الوقوف أمام هذه الظاهرة، ونشر الوعي بمخاطرها الاجتماعية والنفسية والاقتصادية على الفرد والمجتمع، قبل أن تحيق بنا الكارثة، فسنة الله لا تحابي ولا تمالئ أحداً.