التلاعب العلمي بعقول العامة

blogs- العقول
عندما يقوم شاعر أو أديب بالتلاعب بالحقائق العلمية كإلغاء قانون الجاذبية عند مدح الملوك أو حرف مسار الإجرام السماوية من أجل عيون فتاة فإن ذلك يعد إبداعا لهذا الشاعر ومنقبة لذلك الأديب، ويدفعنا هذا الكذب العلمي نحو الأدب والشعر إكبارا وإعجابا.

ولكن عندما يقول عالم كبير مثل ألبرت أينشتاين مقولته الشهيرة: "إذا كانت الحقائق لا توافق النظرية فقم بتغيير الحقائق". فإن هذه المقولة تجعلنا نتوقف ثم نعود إلى الخلف ألف خطوة قبل أن نصدق أي نظرية علمية نسمع بها لأول مرة، فالعالم أينشتاين حتى وإن لم يطبق هذه المقولة في حياته العلمية، فإن مجرد ورودها في باله يوكد أن مثل هذه الأفكار موجودة بين العلماء، وإن قالها أينشتاين دون أن يفعلها فقد يكون غيره من العلماء فعلها دون أن يقول.

عندما نعلم أن الكثير من العلماء لديهم معتقدات تدفعهم لصياغة نظريات مقولبة بحسب الأهداف التي تدعو إليها معتقداتهم، نكتشف أن النظريات قد تكون مجرد خدعة لتضليل الناس الذين ليس لديهم مستوى علمي يمكنهم من تمييز النظريات الخاطئة، أو أنهم لا يجدون وقتا للتأكد من صحة النظريات التي يشاهدونها في الأفلام الوثائقية، فتخلق في مخيلتهم أرضية خصبة لزراعة أفكار ومعتقدات ذلك العالم.

الأهم من المعلومة هو مصدرها، وأنه قبل أن نضع المعلومة في ميزان العقل علينا أن نضع مصدر المعلومة في ميزان المصداقية والثقة.

فقد يكون أحدنا يشاهد برنامجا وثائقيا فتمر معلومة سريعة مثلا تتحدث عن تجربة ميلر وكيف أن هذا العالم تمكن من إنتاج بروتين بطريقة تلقائية بتجربته الشهيرة التي أجراها عام 1953، حيث قام بوضع خليط من الغازات في أنبوب زجاجي هي نفس الغازات التي كانت موجودة في جو الأرض عند بداية تكوينها، فتمكن من إنتاج أحماض أمينية والتي هي وحدة بناء البروتين الذي هو وحدة بناء الخلية الحية، فعندما يرى الشخص المتابع للبرنامج الوثائقي هذه التجربة فسينبهر بها وبنتائجها ويبدي إعجابا بالإنجاز العلمي، ويعلق بباله مبدأ هذه التجربة الذي يفيد بإمكانية إنتاج بروتين بصورة تلقائية، ويؤمن بهذا المبدأ باللاشعور..

ويكون المتابع قد غفل عن أمرين في غاية الأهمية هما: أولا أن هذه التجربة هي إحدى أهم أسس نظرية التطور التي يؤمن بها الدارونيون، إذ أن إمكانية إنتاج بروتين بطريقة تلقائية يعني إمكانية ظهور خلية بطريقة تلقائية وبالتالي يعني وجود الحياة بطريقة تلقائية. والأمر الآخر الذي غفل عنه المشاهد هو أن هذه التجربة قد أُثبت علميا وتجريبيا أنها غير صحيحة، حيث أن الغازات التي استُعملت ليست نفس الغازات التي كانت موجودة في جو الأرض البدائي، كما أن العالم ميلر اعترف بنفسه بعد عدة سنوات أنه استعمل غازات لم تكن موجودة في جو الأرض، وقد أعاد تجربته باستعمال الغازات الصحيحة فلم تنجح التجربة، كما أن العديد من العلماء أعادوا نفس التجربة باستعمال الغازات الصحيحة فلم يتمكنوا من إنتاج أي بروتين. وقد تجد الكثير من المصادر التي تستشهد بهذه التجربة دون ذكر عيوبها لتحقيق أغراض عقدية فيقع الناس العاميين فريسة لهذه الأفكار.

ومن الأمثلة الأخرى على زرع الأفكار الخاطئة بطريقة سريعة وغير مباشرة هو ما عُرض في الفيلم الشهير لوسي "Lucy"، فإن هذا الفيلم وإن كان للتسلية ولا يعتبر مصدرا علميا، إلا أنه حاول زرع فكرة عن نظرية التطور ونشأة الكون، حيث أن اسم الفيلم مقتبس من اسم الهيكل العظمي الشهير للأحفورة لوسي والذي يعتبره التطوريون حلقة وصل بين الإنسان والقرد، كما أن في نهاية الفيلم تبدأ بطلة الفيلم باكتساب قدرات خارقة تمكنها من العودة بالزمن إلى الوراء، فتقوم بإعادة الزمن إلى أن تصل عصر الديناصورات، ثم تعود أكثر فتقابل الكائن الافتراضي لوسي حيث يكون شكلها بين الإنسان والقرد، ثم تعود البطلة بالزمن أكثر فأكثر إلى أن تصل إلى بداية نشأة الحياة بحسب وجهة نظر التطوريين.

وهنا يكون المشاهد مندمجا مع المشهد من دون أن يعلم أن هذا المشهد هو نظرية التطور نفسها، فتعلق في ذهنه صورة لوسي فتتسلل إلى مخيلته فكرة وجود كائن يربط بين القرد والإنسان، ويأخذ فكرة عن كيفية نشأة الكون بحسب معتقد دارون، وقد يتقبلها المشاهد لأنها عرضت بطريقة شائقة ومسلية، ولو عرضت هذه المعلومات عليه بطريقة علمية بحتة لرفضها وأنكرها، ولكنها أُدخلت إليه بطريقة غير مباشرة ووضعت أساسا لتقبل نظريات غير صحيحة.

بذلك ندرك أن الأهم من المعلومة هو مصدرها، وأنه قبل أن نضع المعلومة في ميزان العقل علينا أن نضع مصدر المعلومة في ميزان المصداقية والثقة، وأن ما كان للتسلية فهو خيال لا يرتبط بالحقيقة وليس له أساس في الواقع.