حكوماتٌ للبيع

European commissioner in charge of Economic and Financial Affairs Pierre Moscovici gives a press conference to present the European Winter 2017 Economic Forecast in Brussels, Belgium, 13 February 2017. European economic recovery is expected to continue this year and next; for the first time in almost a decade, the economies of all EU Member States are expected to grow throughout the entire forecasting period (2016, 2017, and 2018).
لا أظنُّ بأنّ هُناكَ فرصةً سانحةً ستأتي وتحينُ مثلَ ما يتولّدُ اليومَ من فُرصٍ ذهبيّة نتيجةَ ما يُسمّى بالأزمَة الماليّة العالميّة، فبعدَ أن أخبرِتنا الإذاعاتُ والأخبار بأنّ كثيراً من الأسماء اللامعة من الشركات العالمية العملاقة اتّجَهَت لإعلان إفلاسها واضطّرت لإجراءات اقتصاديّة كانتْ فيما سبَقَ من قبيل الأحلام وسابِعِ المستحيلات كالبيع والاندماج والشّطْب صارِتْ حكوماتٌ عريقة في الاتّحاد الأوربّي تدرسُ بجدّية كبيرة بيعَ "شطائرَ" طازجة من وزاراتها ومؤسّسساتها الرّسميّة دعماً لاقتصادها وخروجاً من مصيبة نقصِ التدفّق المالي والسيولة النقديّة الحادّ..

لم يدّعوا أبداً كما كانوا يروّجون في سنينَ ماضية بأنّ السبب هو اقتناعهم "بالخصخصة" ولم يذكروا من المؤثرات أمراً يفتحُ آفاقاً للتفاؤل بمستقبل باهر لمثل هذه القرارات ولكنّهم اعترفوا صراحةً بالعجز عن إكمالِ المسيرة حُكوميّاً بنفسِ الأنماطِ السابقة من الإنفاق والتحمّل، وتلكَ جُرأةٌ يُحسدونَ عليها أن يُصرّحوا لشعوبهم وساكني أراضيهم بأنّ الحال اختلفَ عمّا كانَ عليه ليحذروا من اتّكاليّة أفرَزَتْها العادات والاعتقادات بأنّ على "الحكومة" أن تضمَنَ للميّتِ "الكَفَنَ والجنَّةَ" معَاً..

تمتلكُ الحكومةُ الألمانيّة كثيراً من مؤسّساتٍ لها دخلٌ وتتطلّبُ صرْفاً، وتُديرُ الأنظمةُ الرّسميّة كثيراً من مصادر الثروات كأنّها شركاتٌ مساهمةٌ أو مُغلقة مثلُها في ذلك مثل الكثير من دول العالم الغربي ولكنّ نسبة المُلكِ هذه لا تتعدّى الرّبع أو أقلّ من ذلك مقارنة بما يعودُ للقطاع الخاص أيّاً كانَ نوعه ومرجعه، ورغم هذه المحدوديّة في التملّك إلا أنّ "المستشارة الألمانيّة" أعلنَتْ قبل فترة بأن مستقبل الأيام القادمة سيكونُ موعداً لبيع حِصصٍ كبيرة من أنصبة الدّولة في مثل هذه الشّركات دعماً لأزمةٍ ماليّة أكلَتْ الأخضرَ والأزرق من عوائد الأرباح وأصول الاستثمار للقطاعين الخاص والرّسمي في آنٍ واحد وهذا مجرد مثال..

يُزعجني ما آلَ إليه مصيرنا حتى في مستوى الأحلام والأماني وكأنّنا رضينا بموقعنا ونخافُ لو تركناه لضاعَ منا ولا نستطيع بلوغَ ما نصبو إليه فانطبَعَ في أنفسنا المثل الذي يقول "ارْضَ بِقرْدَكْ لا يِجيكْ أَقْرِدْ مِنّو".

لستُ مُتفائلاً ولا شامتاً في حالةٍ قد تكونُ "مسرحيّة" هزليّة يحاولُ أقوامٌ يُعجبهم أن نُعطيهم ما نملكه بغير حساب، ولكنّي أرى في هذا الوضع الاستثنائي لاقتصاد الشّركات والمصانع مثالاً يُحْتَذى عندَ الحكومات التي تغيّرَ مفهومها قَسْريّاً عن المفهوم القديم وتحوّلتْ مهامّها عن التكاليف الأصليّة المعهودة، فحكومةٌ في الشرق أو الغرب لا تعي احتياجات العصر ولا وسائل الرّقي بالأداء ولا تعرفُ قراءةَ المُعطيات الحاليّة والتنبؤات المستقبليّة لاقتصادٍ هو عصبُ الحياة لا يجبُ أن تنضمّ لمجموعة الثّماني ولا مجموعة العشرين..

ما الصّورةُ التي يمكنُ أن نرسُمها لو اشترِتْ إحدى الدّول العربية جزءً من وزارة العمل الألمانية وابتاعتْ دولة عربيّة فتيّة نصفَ وزارة السّياحة البريطانيّة واستأجرَت بعضُ الدول العربيّة المتّحدة في تكتّلٍ معيّن مقارّ وزارة التعليم السويديّة واستطاعت دولة عربيّة لها إمكانيّة تفاوضيّة هائلة أن توقّعَ عقدَ استثمار طويل الأمد مع وزارة النّقل والمواصلات النرويجيّة، لاشكّ أنّها صورة "كرتونيّة" تقفزُ كلّ حواجزَ التوقّعات..

دائماً تضيعُ الفرص السّهلة من بينِ أيدينا ونحنُ ننظرُ أن ننتظر دونَ أن نحرِّكَ ساكناً أو نُعلنَ عن موقفٍ معيّن وكأنّنا لا وجودَ لنا في هذا العالم نتأثّرُ به ونؤثّرُ فيه، ويبدو أنّنا اخترنا الجُزءَ الأول فقط وهو مبدأ التّأَثُّرِ بكلّ المصائب دونما حاجةٍ لأنْ نُؤثِّرَ في أيٍّ منها، وأمّا مبدأ المُغامرة والدخول في صفقات فائقة الخطورة لكنّها عالية الأرباح فذلك من النّادر أن تجدَ عربيّاً يقومُ به إلا إذا عاشَ وتعلّمَ ودرسَ وانخرِطَ في مجتمعٍ غربي أو أمريكيّ ونسيَ أصوله وصبغته العربيّة..

ليسَ المقامُ مقامُ شراءِ حكومةٍ بالمعنى الحرفي لهذا المصطلح بقدْرِ ما هو لفتُ نظرٍ إلى استغلال السّقطات للنظام "الرأسماليّ" وبناءِ أنظمة عربيّة نابعةٍ من الأصول الأخلاقيّة والقيم والمبادئ الإسلاميّة على أنقاض المُقدّرات والأصول التي خلّفها "استعمار" العقول العربيّة بنظريّاتٍ اقتصاديّة وماليّة ندرسُها ونُعلّمها لأجيالنا صباحَ مساء ولم تُفرِزْ لنا وفينا سوى مستنقعاً لخطيئة "العولمة" وكَبْشَ فِداءٍ لجرائمِ "السّوق المفتوحَة" التي أفرَغَتْ التّجارة التي فيها "تِسْعة أعشار الرّزق" من مضمونها الاجتماعي وأبقت لها هدفاً مادّياً بشعاً هو "الرّبح" ولا شيءَ غيره ظُلماً وعدواناً كانَ أم عدلاً واستحقاقاً..

هم سبَقونا بإنشاء المصانع وتشغيل الأيدي العاملة وتكثيف التوعية بثقافة العمل للإنتاج والانتماء لمصدر
الأرزاق فأفلحوا وبلغوا مبالغ راقية في الدّنيا وأصبحوا دولاً صناعيّة بامتياز لكلّ ما نحتاجه نحنُ ونستهلكه نحنُ ويُجرَّبُ فينا نحنُ، والآن أعلنوا عن بيع مصانعهم وإغلاق أجنحةٍ كبيرة من شركاتهم وتوقّف خطوط إنتاجٍ كثيرة من شبكة أخطبوطيّة يمتلكونها ولم يتّجه مجتمعٌ منّا لدراسة كيفيّة الاستفادة من هذه الانهيارات الثلجّية لتوليد كهرباء اقتصاديّة محليّة تخصّنا ولم يقرأ محلّلٌ اقتصاديّ عربيّ واحد هذه الأحداث قراءة دالٍّ على الخير ولا آتٍ بفكرة نتقدّمُ بها خُطواتٍ إلى الأمام..
 

استغلال الإمكانيّة ليسَ عيباً ولا تسلّطاً على الآخرين بل هو عينُ الحِكمة أن تنتظرَ انخفاضَ الأسعار لتشتريَ احتياجاتك، وتستغلّ زيادة العرض لشراء أكبرِ كمّيّة بأقلّ إنفاق، وتنقلُ معرضك من مواقع الكساد لمناطق الرَّوَاج.

يُزعجني ما آلَ إليه مصيرنا حتى في مستوى الأحلام والأماني وكأنّنا رضينا بموقعنا ونخافُ لو تركناه لضاعَ منا ولا نستطيع بلوغَ ما نصبو إليه ولا الرجوع لدرجة نقبعُ فيها من قرون فانطبَعَ في أنفسنا المثل الذي يقول "ارْضَ بِقرْدَكْ لا يِجيكْ أَقْرِدْ مِنّو" معَ أنّ هذا الرّضا مفروضٌ علينا من تلقاءِ أنفسنا وليس من سيطرة آخرين على أنفاسنا وتنفّسنا، فمتى سيأتي زمانٌ نتفاعلُ مع "كيمياء" هذه الدّنيا وننصهرُ مع جُزئيّاتِ مكوّناتها وتُصبحُ المستجدّات في الشمالِ والجنوب تعنينا كما يعنينا فوزُ فريقٍ أفرقيّ على منتخبٍ مثل البرازيل، ونيلُ "أوباما" بعد أشهرٍ معدودة من رئاسته لجائزةٍ نالها "ياسر عرفات" مناصفةً مع عدوّه وماتَ مُحاصراً وماتَ عدوّهُ مقتولاً..

من يسبُرُ أغوار العالم اليوم ومُتقلّبات أحداثه وأخباره سياسيّاً واقتصاديّاً لا يُنكرُ أبداً وجود مُربّعات فارغة يانعة الخصوبة تستحقّ أن تلقى من العرب والمسلمين عناية فائقة ونظرةً بعيدة في غفلةٍ أو عَجْزٍ من العالم الأول الذي لم يعُد في قوّته وغطرسته كما كانَ عليه قبلَ عشرِ سنوات لا سيّما والله تعالى يقول "وتلكَ الأيّامُ نُدَاوِلُها بينَ النَّاسِ" ونحنُ لا رِيْبَ من النّاس، غيرُ معقولٍ أن يأتينا الدَّور وتسنحَ لنا الإمكانيّات والمُقدّرات والقُدرات ولا يُبادرُ أحدٌ لأخذِ مكانٍ في مقاعدِ القطارات المغادرة لوضع أحسن ووضعيّة أمثل..

إنّ استغلال الإمكانيّة ليسَ عيباً ولا تسلّطاً على الآخرين بل هو عينُ الحِكمة أن تنتظرَ انخفاضَ الأسعار لتشتريَ احتياجاتك، وتستغلّ زيادة العرض لشراء أكبرِ كمّيّة بأقلّ إنفاق، وتنقلُ معرضك من مواقع الكساد لمناطق الرَّوَاج، وتأخذَ مكانَ الإمام إن تعرّضَ لعارضٍ في الصلاة وترك مأموميه إن وجدْتَ في نفسكَ أهليّة لقراءة القرآن، وتستبدلَ نظريّاتك القديمة بأخرى جديدة جرّبَها غيركُ ونجحَ فيها، وتُقدِّمَ سِعراً وقيمةً تُناسِبُكَ لتشتركَ في مزادٍ لبيعِ حكومةٍ معيّنة لعلّ أن تبلغَ أملاً أو تحصُدَ أجراً أو ترفعَ ظلماً أو تنشرَ قِسطاً..