مدين لثورة فبراير الخالدة

blogs - ثورة اليمن
كنا قبل الثورة منزوين عن العالم، حتى عن الوطن الذي ولدنا فيه، كنا لا نعرف شيئًا عنه سوى الزعيم الملهم، انحصرت معرفتنا بالقدر الذي يريد هو وإعلامه وحاشيته، كان يمنّ علينا، قبل ولادتنا بثورة، بالأمن والاستقرار الهش، بنى لنا أوهامًا، وتطورا من كراتين، استخدمنا الزعيم كمنتج فاره، يسوّق بنا بضاعته البائرة، وحين ربح وخسرنا تنكّر لنا، قال إنه سيبني الجسور والمدارس، فبنى لنا الفِخاخ والمكائد، وفي طريقه لبناء مجده بدمنا، قال عنا: شعب قبلي جاهل يتناحر مع بعضه، لكننا حين ولدنا صرخنا في وجهه: نحن باقون ونتمدد، فرأى منا الشيء الذي كان يدفنه فينا، خوفًا من أن يراه!

في الحقيقة، كان مولدنا الحقيقي يوم 11 فبراير 2011، ميلاد ثورتنا المجيدة، التي أخرجتنا من ظلمات "علي صالح" إلى نور اليمن، الموطن الأول للبشرية، من ظلمات المخلوع إلى نور هذا العالم الفسيح، كانت هي الفعل الصحيح منذ نشأة الدولة اليمنية، حاولنا فيها، بإمكانات فردية، أن نوقف هذا الجبل الضخم، الذي يهدد مستقبلنا وحياتنا، نجحنا وتجلينا كما ينبغي، قدمنا صورة اليمني، الذي ما توقف المخلوع عن تشويهه والنيل منه، قدمناه ممشوق الهامة عزيز الراية، كنا اليمن بكل سهولها وجبالها ووديانها، انتصرنا للراية اليمنية، وأعدنا لها الاعتبار، وأثبتنا للكرة الأرضية أننا جيل ينتمي لأمنياته وأحلامه، ويمتلك القدرة على خلق المستحيل وتجاوز العقبات والصعاب، وتذليل المشقة، التي صنعها صالح وعائلته لإعاقتنا، صنعنا ما لم يصنعه أحد، وضعنا الخطوط العريضة للدولة اليمنية، وأسسنا لوطن يعيش فيه جميع البشر سواسية، وضعنا، أيضًا النقاط على الحروف، ولن نتوقف البتّة، حتى نرى اليمن السعيد حقًا!

قبل ثورتنا الفتيّة كنا بلا أماني ولا أحلام، نكتفي بالقليل من كل شيء، علاقتنا محدودة ولا تتجاوز عوائلنا، كانت المرأة عندنا عار وعيب، غرس فينا المجتمع، الذي أنشأه ويريده صالح العيب والخطيئة في الأنثى، انحبسنا بدواخلنا، ولم نكن نعرف سوى القرية والريف، أو اليمن حين كان أعلام صالح يعرض لنا بهرجة صالح المزيّفة في دول العالم، كان أكبر حلم للفرد منا أن يكمل الإعدادية ثم يذهب للغربة، ننسب هذا المنجز العظيم للزعيم المفدّى، هذا عن ذواتنا، أما عن بلادنا، فلا شيء سوى أننا دولة بلا مؤسسات، ورغم هذا، إلا أن الفساد ينخر في كل مكاتب هذه الدولة الفارغة، في ذيل الأمم نقبع، وفي الدول المتقدمة في الفساد والسوء، نقتات على المساعدات والهبات، أما ثرواتنا فتذهب للزعيم وعائلته وذويه وآل بيته، بنت لنا الكويت والسعودية المدارس، فسلم إدارتها لعُقّال الحارات، فرّغها من محتواها، إلا من الميزانيات، مدّت الصين لنا الجسور، فنشر تحتها مجانين الأمن القومي، كنا لا شيء، إلى أن ولدنا مع ثورة فبراير، فأصبحنا كل شيء، وهذا المسخ على الهامش، إلى أن يأتي يومه الموعود، هذا مشروعنا المسطور، من صنع المرأة اليمنية المقدسة، التي أوقفت عجلة صالح للأبد!

من كان يعرف العار الحوثي قبل ولادة الثورة؟! لا أحد، كان محشورًا في كهفه، منحته هذه العظيمة الفرصة ليصبح سويًا، حتى إنها علمته أفعال الرجال، جعلته يستنشق ربيع الحرية، لكنه كان مجرد خنجرًا مسمومًا.

كنت قبل الثورة ذلك الانطوائي المجهول، مكبوت في داخلي، متحجّر الفكر والعقل، إلى أن جاء يوم 11 فبراير العظيم، تغيّر كل شيء تمامًا، كنت في غربتي أعيش لحظاتها بكل تفاصيلها، أمام شاشة التلفزة عشت لحظات خالدة لا تنسى، بدأنا نفهم واقعنا، انفتحنا على العالم، قرأنا، وها نحن نكتب، رأينا فينا النور وجذور الأمل، فأسقيناها بصدق إرادتنا. لأول مرة أعيش جو النشيد الوطني للجمهورية اليمنية بحناجر شباب الساحات، خالط الدمع الفؤاد وهم يصدحون به في ساحة التغيير وشارع الستين، وأنا متأكد أن المخلوع وقف مشدوهًا مما يصنعه هؤلاء الأبطال، ولأول مرة أُخرج الشيء الممنوع الذي بداخلي، وعلى امتداد التراب الوطني رسخت فيني الثورة الوعي ونفخت فيني الشجاعة والإدراك، كانت كل مراحل ومفاصل الثورة دروس مختلفة جدًا، وعبر خالدة، قلنا بصرامة (لا)، كتبنا (يكفي) وبشجاعة، منعنا الشر من أن يتمدد، رغم انبطاحه، ولسنا نتحمل تبعات هذا السوء المنفلت اليوم، الاختبار الذي واجه الثورة تمثّل بتلك الوجوه المتزينة بالميك آب، والتي أضمرت السوء لوطننا، ولبست قناعًا زائفًا، تنكروا لها فصمدت؛ وهاهي اليوم تلاحقهم في البراري والصحاري، وما هو مهم هو أن الثورة شيء، وشبابها اليوم أو غدًا شيء آخر، سينتهي الجميع، لكنها فعل مستمر، وسيبقى حاضرًا إلى الأبد، وهو ما يجعلني مدين لهذه الثورة الخالدة إلى أن أموت، وإنها لتاريخٌ نقيٌ حتى النصر!

لو عاد بنا الزمن للأيام الأولى للثورة سنخرج كما خرجنا وزيادة، وسنقول (لا) لصالح وبصوت مرتفع، وسنصرخ في وجهه، إرحل، كما لم يحدث من قبل، لسنا نادمين، ولن نندم، على خروجنا لرفض صالح وزبانيته، بل إننا نؤمن إيمانًا مطلقًا لا يخالطه أدنى شك، أن الثورة التي قمنا بها هي أبرز منجز تاريخي صنعناه منذ أن خلق الله اليمن، نحن أحق بالثورة من غيرنا، نحن الذين بلا تعليم ولا كهرباء ولا بنية تحتية ولا دولة ولا أدنى مقومات الحياة، كان من المفترض أن تتقدم ثورتنا 30 عامًا على الأقل، لكنها وصلت، وخيرٌ من لا شيء، ونثق أنها ستجد النور الساطع وسط هذه العتمة السوداء، دماء الشهداء شاهدة ووقّادة، ولن تنطفئ قط!

لم تأت ثورة فبراير إلا من أجل جميع الناس، إحدى المحاولات الطاهرة في ردم فجوة العقل الجمعي، كانت التجلّي الأبرز في رد الاعتبار اليمني، الذي يحلم بالعيش كأي إنسان في العالم، يقف اليوم شباب الثورة في الجبال والأودية والسهول مقاومين، يسعون لتحقيق ما عجزوا عنه بالحناجر والصدور العارية، يتمسكون بأهداف ثورتهم الأبية حتى تتحقّق، لن يشوّه طهرها إلا حاقد رذيل منتكس الفطرة، نحن ندين لثورة فضحت المتلبسين بها منذ وقت مبكر، علمتنا هذه الرائعة أن الأقنعة ستنكشف وتصبح عارية كالنهار، وكذلك فعلت، وهي تفعل باستمرار حتى اللحظة!

من كان يعرف العار الحوثي قبل ولادة الثورة؟! لا أحد، كان محشورًا في كهفه، منحته هذه العظيمة الفرصة ليصبح سويًا، حتى إنها علمته أفعال الرجال، جعلته يستنشق ربيع الحرية، لكنه كان مجرد خنجرًا مسمومًا، يؤدي دوره المنحرف بطريقة خبيثة، كان يعد للانقضاض على حلم الناس، بدولة المواطنة المتساوية، التي تساوي بينه وبين غيره، ولأن هذا المشروع يعارض مشروعه السلالي، تنكر لها وخانها، وباعها لحليفه الجديد القديم، واليوم نحن في طريقنا لاستعادة الحلم الذي اغتصبه، ولن نتنازل عنه مهما كان الثمن، حلمنا يمن، وحلمه بطن وسلالة، سينتصر حق الناس جميعًا على حق الفرد، لأن هذا نقيض الفطرة السليمة والعقل الإنساني السوي.

كل ثورة ونحن في يمن لجميع المواطنين، وكل عام ونحن نقاوم الظلم ونكره الإمامة والتفرد بالحكم والسلطة.