نصائح لفخامة الرئيس

blogs - باراك أوباما وزوجته
عندما شاهدت أوباما يغادر البيت الأبيض كان بودي أن أهمس في أذنــــه: "لا تتـــرك السلطـــة هـكذا ياغبــي!".. أوباما ورث لــون أجداده، وشعرهم، وأنفــهم، وأذنــهم، ولكن يبــدو أن جينات "الـسلــطـوفيلــيا"(1) أخطـــأته… الرجل غادر بكل رومانسية؛ فجمع حقائبه ببراءة، وألقى خطابًا مؤثرًا بكى فيه وأبكى مستمعيـــه، ثم انصـــرف.

أوبامــا عرض أن يترك لـترمب مراجيح أطفال كانت لابنتيـه في حديقة البيت الأبيض ليلعب بها أحفاد ترامب، ولكن الأخير رفضها فتبرع بهـا أوباما إلى جمعية خيريـــة.. ثم استأجر بيتــًا في إحدى ضواحي العاصمة وجلس فيه.. تارة يضع رجله اليمنى على اليسرى، وتارة أخرى يضع اليسرى على اليمنى في انتظار أن تكمل ابنتــاه دراستهما قبل أن يقصد وجهته القادمــة وما تبقى له من مستقبل…

دارت في مخيلـــتي وأنا أتابع هـذا المشهـد كل الأفكار الشريـرة التي تتقمص جيناتي العربية، كيف يترك هـذا الغبي حُكْم أقوى دولــة في العالم ويخرج منها هكــذا بخفي حنين؟ اقتربت منه وهمست في أذنه: "هل أنت متأكـــد من أنك ستغادر، سيادة الرئيس؟!".
نظر إليَّ بتعجبٍ واستغراب، وقبل أن ينطق قلت له: "اسمعني سيادة الرئيس.. اسمعني جيـــدًا.. لا يُـتْرك البيت الأبيض هكــذا! لا تكن ساذجــًا كسابقيك. كل شرفات البيت الأبيض، وردهاتــه، وأروقتــه، وغرفــه تخاطبك وتقول لك لا تتركنا، وكن رئيسنـا إلى الأبد.. كيف ستتركنـا لهذا العجوز السبعيني الخَرِفْ؟".

اسمعني سيادة الرئيس، يبدو أنك لا تجيد الحساب، فعـمرك خمسة وخمسون سنة، ومن سيخلفك عمره سبعون سنة، وإن أتم مدته الرئاسية فسيكون عمره أربعة وسبعون سنة، فماذا لوكانت هــذه العشرون سنة تقريبًا من نصيبك.

نعـم.. ودعني أخبرك أيها الساذج، لدينا رئيس عمره 91 سنة، وآخر عمره 85 سنة، وثالث ميت سريريًا ولا يزال يحكم وقد تجاوز الثمانين سنة كذلك.. فأنت ـ سيادة الرئيس- طفل صغير مقارنة بهـذه الديناصورات المحنطة التي تحكمنا هل فهمت؟

سيدي الرئيس.. الأمر محسوم جدًا! شعبيتك في ذروتها، وكل ما تحتاجه هــو كلمة سحرية من خمسة حروف: "ت ف و ي ض"، السود في أميركا سيدعمونك، شيكاغو هي حاضنتك، كاليفورنيا ونيويورك والشمال الشرقي لأمريكا كلهم ديمقراطيون وسيدعمونك، وكل مؤيدي هيلاري كلنتــون سيدعمونك.

الأمــر سهل سيادة الرئيس، أرسل لهم بعض المندوبين وستخرج مسيرات حاشدة في كل المدن لتؤيدك، وعندها ستصبح أمـرًا واقعًا ومطلبًا شعبيًا وتنال "التفويض". أما مؤيدو ترمب، فإن خرجــوا في الشوارع فقل لهم: "فاتكم القطـــــار"، وإن لم يرضــوا فأطلق عليهم بلطجيتك وعساكرك لتتعقبــهم "دار دار…. زنقـــة زنقـــة".

استيقظ سيد باراك عندكم الأمر يختلف تمامًا. فأنت جئت بالصندوق وستخرج بالصندوق، أما عندنا فلا يخرج الرؤســاء من القصر إلاَّ إلى القبــر.

أما الدستور ـ سيادة الرئيس ـ فهو ليس سوى خربشة على ورق وسنرسل إليه أيادينا الطاهرة النظيفة لتطــرح فيه البركــة وتـغيره. كن مثل رؤسائنا سيادة الرئيس، فتغيير الدستور لديهم أسهل من تغيير جواربهم، بل إنهم أحياناً يكتبون "شخابيطهم" على المناديل الورقية وعلب السجائر فتصبح دساتير ومراسيمًا مقدسة يحكموننا بها.

وتذكر سيادة الرئيس أنك أكثر الناس تأهيلًا لأن تحكم أميركا "رئيسًا أبديًا"، فأنت تحمل شهادات عليــا من كولومبيا وهارفــارد. أَلَا تعلم سيادة الرئيس أن هناك دولة حكمها سائق مدرعة لم يكمل الإعدادية؟ وهل تعلم سيادة الرئيس أن هناك دولاً حكمها ناس مؤهلاتهم ماجستيرات في "الانقلابات"…ودكتوراه في "الوشاية" و"التصفية"؟ حتى "أطباء العيون" ـ سيادة الرئيس ـ عندما حكمونا تظاهــــروا بالحَـوَلْ، فصار شعبُهم عدوَهم وصار عدوُهم شعبَهم!

نعم! أنت القائد الأعلى للجيش، ولكن ذلك لا يكفي سيادة الرئيس.. فعليك أن ترتدي بزة عسكرية بهيجة ونظارات ســــوداء كبيرة ونيـاشين مزركشـة وصولجـــانا مُذَهَّبا وتجلس على كرسي عريض جدًا… مفصلا على حجم "الخراتيت"، ثم أحط نفسك بمجموعة من الطراطير واجمع لفيفًا من عساكرك والـقِ فيهـــم خطابًا من خطاباتك الرنانة.

ولكن لا تنسَ في النهاية أن تغازل الشعب "يعني إنتو هتكـــلوا أميركــــا ولا إيه"، ستفيض عواطفهم وتدمع عيونهم، وعندها لا يهم أن يموت الشعب الأميركي جــوعًا، فأنت حبيبهم، سيتغزل فيك "مُفتي أميركا" وفاتنات هوليـــوود، والـ CNN. والفوكس نيوز، "إحنـا بنحبـك ياريّس"، وستطبع صورتك على الــدولار، وتعلق في كل زاوية من التايم سكوير، وسينحتون لك تمثالًا على جبل راشمور مع الأربعة الكبار، بل وسيــزورك تمثال الحرية في بيتك، فستكون أنت أميركا وأميركا أنت…

ولكن… سيادة الرئيس لا بد أن يكون لك "مشروع" و"حدوتة" تحكيها للشعب الأميركي كل يوم قبل أن ينام، فيتمسك بك لاستكمالها: "العجب العجاب في محاربة الإرهاب"، "صراع الدلافين والإخوان المسلمين"، "الطاقة البديلة للعقول الهزيلة"، "زراعة البطيخ على سطح المريخ".. أي شيء، أهم شيء أن تكون أسماء "رنانة".. يغني لك عليها شعبـولا والجـــوقة كم أغنية ومونولــوج… "تسلم الأيادي ياواد يارمادي" أو "كُلِّنَا فِــــدَاك ياواد يا بـــاراك"، وفي عهدك كذلك ستُصَدِّر أميريكا للعالم "كُفتـــة" تشفــي جميع الأمــــراض!

هـذه نهاياتهـــم التي تعرفهـــا سيادة الرئيس. أنصحك بأن تفعــل ما فعلــه أسلافـــك، ولا تفعل ما فعلــــه رؤســاؤنا وسيكون أشرف لك، ليس لأن أسـلافك كانوا ملائكـــة، ولكــن لأن رؤســـاءنا كانوا شياطـين.

استيقظ سيد باراك ولاتسترسل في أحلامك! فما سمعته مني لا يحدث إلا عندنا فقط، أما عندكم فالأمر يختلف تمامًا. فأنت ـ فخامة الرئيس ـ جئت بالصندوق وستخرج بالصندوق، أما عندنا فلا يخرج الرؤســاء من القصر إلاَّ إلى القبــر، ولكن في صندوق آخـر يختلف عن صناديقـكم.

أما جيشك ـ سيد باراك ـ فلـم يُطِعْـــكَ لأجل نظاراتك السوداء ونياشينك المزركشة، ولكن لأجل دستـــورك، فإن خالفته سيخالفــك جيشــك، وستذبل نياشينك، ويتحول صولجانك إلى مجرد "فجــلة" هزيلة لا تصلح حتى لصناعة المخلــل، فاحترم دستورك يحترمك شعبك سيادة الرئيس.

وتذكر سيد باراك بأن البيت الأبيض هـو ليس مُلكٌ لأجـدادك فتــرثه إلى الأبــد. دخلته بإذن الشعب وتخرج منه بأمره، وإلا فستُرمَى خارجه "يــد ورجــل”. فأنت هنا ـ سيادة الرئيس ـ لتخدم الشعب لا لتسرقـــه.

سيد باراك… انتهت علاقتك بالسلطة، وآن لك أن تعطي "ما لقيصر لقيصر"، فمنذ اليوم ستسدد فاتورة هاتفك بنفسك، ستدفع ثمن قهوتك بنفسك، ستشتري فرشاة أسنانك بنفسك، وأحذيتك، وجواربك، كلها ستشتريها بنفسك.

نعم سيد باراك، من الأشرف لك أن تخرج وتعيش كمواطن عادي بدلًا من أن تحاول أن تحشر نفسك في أنف الشعب مرة أخرى، فعندها قد يحدث لك ما لا تتمناه، فرار في طائرة، أو حمالة طبية إلى سجن طـرة، أو قد ينتشلونك من أنبــوب المجــاري وتُفْـعَلُ بـك الأفاعيــل.

هـذه نهاياتهـــم التي تعرفهـــا سيادة الرئيس. أنصحك بأن تفعــل ما فعلــه أسلافـــك، ولا تفعل ما فعلــــه رؤســاؤنا وسيكون أشرف لك، ليس لأن أسـلافك كانوا ملائكـــة، ولكــن لأن رؤســـاءنا كانوا شياطـين.

_________________________________
(1) الـسلطوفيلــيا: الشغف بالسلطة.

إعلان

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.


إعلان