لماذا ينجح "آراب أيدول"؟

Palestinian singer Yaqoub Shaheen (C), winner of Arab Idol season 4, performs as he stands next to Palestinian contestant singer Ameer Dandan (R) and Palestinian singer Mohammed Assaf, winner of the second season of Arab Idol, during the final episode of Arab Idol season 4, in Zouk Mosbeh area, north of Beirut, Lebanon February 25, 2017. REUTERS/Mohamed Azakir

لم ينجح هذا البرنامج في "استقطاب" متابعين محسوبين على التيار الإسلامي فحسب، بل نجح أيضا في استقطاب مشاركين من الذين قد نشؤوا على النشيد الإسلامي، وسبق وأن شاركوا في برامج إنشادية إسلامية، منهم: نادر حمودة من غزة، واليمني عمار العزكي -وهو المتسابق الفائز بجائزة منشد الشارقة قبل عدة أعوام- وحتى من الحضور تمكن البرنامج من جذب سياسيين ودبلوماسيين في مناصب عليا وصلت لأعلى رأس في دولة فلسطين. فما الذي حصل؟!
 

من وجهة نظر المثقفين والمفكرين الذين هضم الإعلام حقهم في الظهور والانتشاء، وكذلك المتدينين الذين أكسبهم قيام الليل وصيام النهار نظرة جدية متحفظة لما يدور حولهم إلى ما بعد يوم القيامة فإنه:
إذا أردت أن تُنجح برنامجا غنائيا تافها.. وأن تخدر شعوبا بأكملها، وتلهيها عن قضاياها المهمة.. فما عليك إلا أن تُشرك بهذا البرنامج فلسطينيا أو اثنين.. واترك بعدها للرعاع أن يتوهموا نصرة قضيتهم من خلاله.
 

لم تكن المشكلة يوما مع نادر ولا مع روان، أو أمير أو يعقوب، كما لم تكن قبل ذلك مع هيثم أو منال، ولا حتى مع من سبقهم عسافنا المغوار، فهؤلاء جميعا واثني عشر فلسطينيا شاركوا بهذا الموسم ما هم إلا مجموعة من بسطاء الأحلام، أطافيل الأوهام، تدفعهم النجومية وتحركهم الطموحات الشخصية، أما الوطن فلا يمثل من دوافعهم إلا ما نمثله نحن -كفلسطينيين وعرب- كلنا على بعضنا من ثقل على العالم الذي نغني لأجل أن يسمعنا، أو يسمع لقضيانا؛ مع أننا في نعل اهتماماته، وحافر أولوياته.
 

بات تَوق الشباب العربي مُنصبًا على برامج تقدم الفن بلباس قومي يخلو من أي لوثة مؤدلجة، أو أجندة منظمة، إطار فني واحد يجمع المغربي مع العراقي، واليمني مع السوري.

مشكلة المثقفين والمتدينين كانت ولا زالت مع تلك البرامج المخدرة لجيوش المستمعين إليها، المطعمة جوزا فارغا لبكسات المصفقين لها، المشكلة معها وهي تصنع لمتابعيها "قدوات" من سراب، نجوما من هيام، نماذج لامعة من لا شيء، لا تمتلك شيء، وليس لديها أي شيء، سوى صوت ينطرب عليه ناطور يقف حارسا على عمارة، أو بوَّابا على أرض زراعية.
 

النظر لأصحاب وجهة النظر الأخرى
هنا يبدو المدافعين عن تلك البرامج مجرد كائنات مستمتعة لا تلجمهم آية ولا يزجرهم حديث، ويبدو الكلام أمامهم بنص من القرآن أو بمقطع من كلام النبوة شكل من أشكال العبط الفيسبوكي، وصفاقة حوارية لا سبيل مع صاحبها الدوغمائي إلا الحظر، ويبدو التذكير بأحاديث الحجاب والحشمة، وعذاب جهنم، وصحيح المنقول وصريح المعقول، وغيرها من خطوط عقائدية وأخلاقية حمراء كل ذلك يبدو طلاسم غير صالحة لأولئك المروجين القافزين خلف خطوط الوعي الديني والمجتمعي الأبله، ليتضح لنا أن العرب يفرقهم الدين والمذهب والطائفة وحتى الله بات مختلفا عليه، ولم يعد يوحدهم سوى الوطن.
 

هلا أخبرني المثقفون والمتدينون عن البديل؟
لقد تماهت العروبة والشعور القومي العريق تحت أقدام الخلافات الأيدولوجية التي يثيرها مثقفونا، كما تماهى الافتخار بالإسلام وحسن الانتماء له تحت أقدام المتدينين والخلافات الطائفية والمذهبية التي باتت شاغلهم الأبرز، وبات تَوق الشباب العربي مُنصبًا على برامج تقدم الفن بلباس قومي يخلو من أي لوثة مؤدلجة، أو أجندة منظمة، إطار فني واحد يجمع المغربي مع العراقي، واليمني مع السوري.
 

على ماذا تقتات تلك البرامج؟
لقد عرف القائمون على هذا البرنامج طبيعة الساحة التي لا بد فيها أن يبرعوا، وتمكنوا بحسن حيلتهم من استثمار/استغلال عواطف الشباب المشاركين وحتى المتابعين تجاه أوطانها، وأسهموا بتضخيم الذات الوطنية والشخصية فيهم عبر الريبورتيجات المتكررة، والتذكير والتمجيد المستمر من قبل لجنة التحكيم بوطن ووطنية كل مشارك، بما يحرك المشاعر الدفينة منه ليخرج كل ما في جعبته من فن، وليخرج مواطنو دولته كل ما في جيوبهم من مال عبر التصويت.
 

تجربة لا تتكرر
تقول الأسطورة أن حربا استمرت على البلدة المنكوبة "غزة" لواحدٍ وخمسين يوما لم يقف ابنها المغوار محمد عساف والذي جندت مؤسسات دولته 61 مليون دولار للتصويت له، لم يقف إلا بمقطع خجول في أغنية أقل من رديئة ترفع عنه العتب، لم يستنظف أن يكررها في أي محفل آخر "لأن اسم العار غزة المحاصرة وارد فيها"، وأكثر إذ لم يضمنها بمشهد لبيت ينهار بفعل القصف المتعمد عليها، ولا لمقاوم واحد يرد قوى الظلم والكيد، أو مسلح واحد مسجى على ظهره المثقل بحمل الوطن، فلم يعد هو نفسه يملك من أمره شيئا، حتى صورة السيلفي لا يلتقطها أحد معه إلا بإذن المؤسسة الفنية التي اشترته، ولكم كانت لهذه التجربة وقعها على أهل غزة حين لم يلدغوا من الجحر مرة أخرى، فلم يصوت أحد لا لروان عليان ولا لنادر حمودة، وبات واضحا عند الغزيين -و99 بالمائة منهم متعلمون- أن نجاح هؤلاء ما هو إلا نجاح شخصي، ليس للقضية فيه محل أو مكان، ولذا كان الخروج المبكر لهذين المشاركين.
 

ما ينتظره الجمهور العربي الممزق والمرهق، هو فن عربي أصيل مستمد من الثقافة الشرقية المحافظة التي شكَّل الإسلام طابعها وسمتها، لا يخدش حياءً ولا يبتذل أخلاقا.

البديل المنتظر:
إياكم ومجرد التفكير بأن برامج تنافسية على براءات الاختراع، وأخرى حول أفضل بحث علمي محكَّم من الممكن أن يكون بديلا، فمثل هذه الحقول لم تلق رواجا شعبيا حتى في أكثر البلاد تفوقا، والسبب باختصار أنها لا تستهوي العامة، ولنا في برنامج أمير الشعراء المقام في الإمارات خير مثال، فبرغم امتلاكه جميع عناصر النجاح سابقة الذكر إلا أنه يبقى برنامجا تخصصيا لعشاق اللغة ومحبيها فقط، ولذا فإنه لم يتمكن من أن يحظى بنفس الصيت الذي لاقاه عرب آيدول.
 

المعدن الديني:
أكثر ما لفت انتباهي واستغرابي هي رؤيتي لدعوات المشاركين والمشاركات لله بأن يوفقهم في الجولات المختلفة، وثناؤهم المستمر على الله وتكرار حمدهم له بعد توفيقهم في أي جولة، بالرغم من شبه الملابس التي كانت تغطي بعضا من أجسادهم، وهو ما يقدم لي صورة واضحة، أن معادن شباب وفتيات العرب لا زالت أصيلة، لكنها تحتاج من يزيل عنها غبار الحداثة، ويكسيها باللباس الفني اللائق.
 

ليس في الإسلام منع، في الإسلام تهذيب:
تلك هي القاعدة التي أحب أن أختم بها مقالي هذا، فلم يحرم الإسلام الزنا إلا بعد أن أحل الزواج، ولم يحرم الخمر إلا بعد أن أحل باقي المشروبات، ولم يحرم الربا إلا بعد أن أحل الدَّين والمرابحة وباقي أشكال التجارة، وما ينتظره الجمهور العربي الممزق والمرهق، هو فن عربي أصيل مستمد من الثقافة الشرقية المحافظة التي شكَّل الإسلام طابعها وسمتها، لا يخدش حياءً ولا يبتذل أخلاقا، فن يخلو من أي استقطاب حزبي أو طائفي، يسهم في رفع روح الانتماء للعرب والعروبة، قبل أن ننظر بازدراء لهذا البرنامج الربحي المجرد.