"هدم الشخصية" الحرب التي بدأت منذ زمن

blogs- الشخصية

كيف تكسب الحرب مع عدوك دون أن تطلق رصاصة واحدة؟
يتطلب هدم شخصية شعب من 15 إلى 20 عاما!! لماذا كل هذه السنوات؟ لأن هذه هي أقل مدة يمكن تعليم جيل واحد من الطلاب فيها في بلد العدو مع عرض الفكر الذي تريدون على هؤلاء التلاميذ أثناء التدريس. والآن أنتم ترون النتيجة معظم الاشخاص الذين تخرجوا في الستينيات، "الفاشلون وأنصاف المفكرين" يشغلون مركز القوة الآن في الحكومة والخدمات المدنية والإعلام ورجال الأعمال والنظام التعليمي.. أنتم عالقون مع هؤلاء الأشخاص لا يمكنكم التخلص منهم هم ملوثون.

هم مبرمجون ليفكروا ويتجاوبوا مع مؤثرات معينة بنمط معين، لا يمكنك تغير رأيهم حتى لو عرضت عليهم معلومات صحيحة، حتى وإن أتيت بالدليل على أن الأبيض أبيض والأسود أسود لن تستطيع تغيير رأيهم ومنطق الفهم لديهم. بعبارة أخرى هؤلاء قد تم هدم شخصيتهم بالكامل ولن تستطيع عكسها، ستحتاج من 15 إلى 20 سنة أخرى لتخلص المجتمع من هؤلاء الاشخاص الملوثون.
 

حربا بلا دماء وبلا طلقة رصاص واحدة قد بدأت منذ عشرات السنين ضد أمتنا، كانت نتيجتها الملايين من الضحايا أصحاب الشخصيات المدمرة والمشوهة الذين تولوا تقريبا كل مواقع القيادة والتأثير في بلادنا.

إذا بدأت الآن وفي هذه اللحظة فأنت بحاجة على الأقل ل15 او 20 سنة لتعلم وتخرج جيل جديد من الأشخاص الوطنيين والعقلانيين هؤلاء فقط هم من سيعملون لمصلحة الدولة والمجتمع، لقد تمت عملية هدم الشخصية بنجاح منذ زمن بعيد وهي مستمرة الآن بيد أبناء البلد أنفسهم بسبب انهيار المعايير الأخلاقية، فإن رؤية المعلومات الصحيحة لم تعد لها فائدة بعد الآن هل تعرف لماذا؟ لأن الإنسان الذي تهدم شخصيته يصبح غير قادر على فهم قيمة ومضمون المعلومات الصحيحة!! لا يفهم منها أي شيء حتى لو أغرقته بالأدلة، بالمعلومات الاصلية، بالوثائق بالصور وحتى لو أخذته بالقوة إلى معسكر اعتقال وشاهد كل شيء على أرض الواقع، سوف يرفض تصديق الأمر إلى أن يسحقه حذاء عسكري.. حينها فقط سيفهم.. لكن ليس قبل ذلك.

هذا هو الأمر المأساوي بخصوص هدم الشخصية، أنتم عالقون بالأساس مع هدم الشخصية حتى وإن بدأتم الآن وفي هذه اللحظة بتعليم جيل جديد لا زال الأمر يتطلب على الأقل من 15 إلى 20 سنة لقلب حركة مد وجزر الفهم الأيدولوجي للحقيقة لتعود مجددا للمنطق والعقل السليم والحب الحقيقي والإخلاص للوطن..

كان هذا ترجمة جزء من حوار تليفزيوني لعميل المخابرات السوفيتية السابق يوري بيزمينوف والذي هرب إلى الولايات المتحدة الأمريكية عام 1970 م ،والرجل له محاضرة أخرى تشرح بالتفصيل استراتيجيات تدمير الدول والمجتمعات دون أن تطلق رصاصة واحدة.

لقد كنت أتعجب وأنظر بحزن ودهشة وحيرة إلى واقع أمتنا اليوم والحال التي وصلت إليه وأتساءل باستمرار عن السبب في تخلفنا عن ركب الحضارة، وما هي طرق العلاج وكيف نخرج من المأزق! لقد كنت أتعجب من صمت وسلبية غالبية أبناء أمتنا العربية والإسلامية رغم كل ما يرونه من مذابح ومجازر وقتل وتشريد، كنت مندهش بشدة من تأييد كثير من المتعلمين وحتى بعض أساتذة الجامعات للظلمة والمستبدين والدفاع المستميت عنهم رغم كل ما يرونه من ظلم واستبداد وعدم اقتناعهم بالمنطق السليم وإنكارهم للحقائق التي يرونها رؤي العين والتمادي مع الباطل بكل بساطة وأريحية وراحة ضمير.. كنت أقول لنفسي كيف لهؤلاء أن يناموا مرتاحي الضمير؟!
 

لكنني عندما استمعت لحوار هذا الرجل يوري بيزمينوف وجدت الإجابة لكل الأسئلة الحائرة بداخلي في كلمتين، نعم في كلمتين "تدمير الشخصية". إن هؤلاء تم تدمير شخصيتهم منذ زمن هؤلاء تم قتلهم وهم على قيد الحياة، تم إفساد معاييرهم الأخلاقية تم قتل ضمائرهم عندما يتم تدمير الشخصية فإن كل شيء يكون قد انتهى.

نحن جميعا عالقون في الوحل مع هؤلاء الذين تم هدم شخصيتهم، فأصبحوا مسخا لا يعرف معروفا ولا ينكر منكرا ولا يعترف بحقائق ولا منطق، كلما تحركنا خطوة للأمام جذبونا عشرات بل مئات للخلف.

إن حربا بلا دماء وبلا طلقة رصاص واحدة قد بدأت منذ عشرات السنين ضد أمتنا، كانت نتيجتها الملايين من الضحايا أصحاب الشخصيات المدمرة والمشوهة الذين تولوا تقريبا كل مواقع القيادة والتأثير في بلادنا بداية من مؤسسات الحكم ومرورا بمؤسسات الإعلام والتعليم ومنظمات المجتمع المدني.
 

الآن نحن عالقون في الوحل مع هؤلاء، نعم نحن جميعا عالقون في الوحل مع هؤلاء الذين تم هدم شخصيتهم بتدمير المعايير الأخلاقية بداخلهم، فأصبحوا مسخا لا يعرف معروفا ولا ينكر منكرا ولا يعترف بحقائق ولا منطق، كلما تحركنا خطوة واحدة للأمام جذبونا عشرات بل مئات الخطوات للخلف وتأمل معي عندما بدأ شعاع النور في ثورات الربيع العربي على يد طليعة جيل من الشباب الواعي الحالمين بالحرية الذين نجوا بأعجوبة من حرب تدمير الشخصية وتلقوا تربية سليمة مستندة على قيم وهوية أمتنا العربية والإسلامية على يد قادة ظهروا في الأمة وانتبهوا مبكرا لطبيعة المعركة.
 

وما إن بدأت مؤشرات نجاح الربيع العربي في الظهور حتى وجدنا أنفسنا عالقين بشدة مع هؤلاء الملوثون أصحاب الشخصيات المدمرة والذين قاموا بـ "المهمة القذرة" التي رباهم من أجلها أسيادهم وسحبوا الأوطان لبركة من الدماء وأجهضوا حلم الحرية من بدايته، فهل آن لقادة التغيير والمخلصين من أبناء أمتنا أن يدركوا بوعي كاف طبيعة المعركة التي يخوضونها وكيف يمكن الانتصار فيها؟! ربما نفصل ذلك في تدوينة قادمة..