كيف نقرأ تاريخنا من كتابات المستشرقين

blogs - الموروث العثماني
إن كُتب الرحالة الأجانب الذينَ زاروا الدولة العثمانية لا تقِلُ أهميةً عن الوثائقِ الرسمية والأرشيف العُثماني الضخم في فَهمِ الحياةِ الاجتماعية والسياسية للدولة والمجتمع العثماني. والمقصود بالمجتمع العثماني هنا تركيا، الشام. مصر، البلقان، العراق والمغرب العربي. لأن كتابات المستشرقين تكلمت عن هذه البلاد وهي تحت الحكم العثماني. ولا نبالغُ إن قُلنا إنَ تِلك الكُتب أعطت معلوماتٍ فريدة أحياناً. وليس مردُ ذلِكَ النقصُ في الأرشيف العثماني الذي لا يحتاجُ أن نُدافِع عنه وعن ما يحويهِ من كمٍ هائلٍ وتصويرٍ دقيق للثقافةِ وللمجتمع والدولة.

لكن ما ميّزَ تلك الكُتب الصراحة ليسَ فقط الوصف الدقيق والنقد والإعجاب والمقارنة بين مجتمعاتِهم والمُجتمع العُثماني وفهمِ النظرةُ الغربية لنا. لكن ما ميزها هي رغبَتهم المُتعطشة للتعرف على هذا المُجتمَع الغريب ونظرتهم البعيدة التي تكشف لهم الصورة بشكلٍ أوضح، وهو التعطش نفسه الذي نعيشه اليوم لفهم هذهِ الحِقبة، لذلك جاءت كتبهم مُلبية أحياناً لطموحاتِنا وأسئِلَتِنا.

لكي نفهم أكثر؛ إن المُجتمعات لا تكتب عما يُميزها لأن ما يميزها تراه هي حياة طبيعية وتقليدية.
على سبيل المثال لا نجد أي شخص من السعودية مثلاً يكتب عن اللباس والزي المنتشر في بلاده، ويصف أشكاله وألوانه وحتى أسعارة لأهل بلده، لأن ذلك لا يحتاج للتعريف بالنسبه له وللمجتمع الذي يعيش به، لكن في المقابل يلفت انتباه كل زائر إلى السعودية اللباس المميز والمنتشر والموحد، فيبدأ بالكتابة والوصف.

وهذا ما كتبه الرحاله الغربيون في كتبهم ووصفوه عن الحياة ولم يكتبه أحيانا المجتمع نفسه. ولذلك يجب أن ننظُر إلى تلك الكتب الموجودة اليوم بالمئات كجزء من الأرشيف العثماني لمنطقتنا لفهم الصورة بشكل أوضح عن تاريخنا. كما يفعل الآن الفرنسيون والألمان الذين سبقونا بفهم تاريخهم عن طريق ترجمه كتب السفراء والرحالة العثمانيين لبلادهم أمثال أوليا جلبي ويرمي سكيز أفندي الذي أرّخ مرحلة الوصاية على لويس الخامس عشر، وكتاب جورنال للرحالة والكاتب العثماني علي بيه.

على القارئ فهم خلفية مؤلف أي كتاب يريد قراءته قبل أن ينقل منه أي معلومة. فيصبح شريكا في تزوير التاريخ بسبب جهله. لذلك نحن نحتاج إلى اهتمام حكومي في دعم دراسة التاريخ.

لكن تلك الكتب أيضا تعتبر سلاحا ذو حدّين إن لم نفهم خلفية المستشرق، فالمؤلفة ماري ملز باتريك "1850-1940" مثلاً من أكثر الشخصيات التي تكره السلطان عبد الحميد الثاني، وسبب كل هذا الكره هي الحرب التي شنّها هذا السلطان على السفور والمدارس الغربية ومن ضمنها المدرسة الأميركية للبنات التي تترأسها ماري.

فكانت المدرسة الأميركية تتعرض منذ تولي عهد السلطان إلى التضيق وقلة الموارد والرقابة الصارمة. حتّى إنها ذكرت أن كثيرا من البنات اللواتي التحقن بالمدرسة كان أولياء أمورهن يأتوا ليأخذوا بناتهم بسبب تهديد السلطان ورجاله حسب ادعائها. وكانت ترى ماري في شخصية السلطان حميد الرجعية والتخلف لمنعه الاختلاط وحربه المعلنة ضد انتشار الأفكار التحررية الغربية.

أمّا أشهر معاركها معه فهي عندما رغبت بتوسعة الكلية بشراء بيتين كبيريين لشخص أميركي على البوسفور فاصطدمت بِعدم موافقة الحكومة العثمانية لأن السلطان يريد أن يشتري البيتين لنفسه ((هذا الأسلوب استخدمه وتميز به السلطان عبدالحميد كثيراً))، فأعلنت هي الحرب ضد هذا السلطان فسافرت إلى أميركا وقابلت الرئيس روزفلت وأخبرتة بالمضايقات التي تتعرض لها من السلطان، وتأمل من الرئيس مخاطبة السلطان لكي يسمح لها بشراء المنزلين وقابلت وزير الداخلية الأميركي وأخبرته برغبتها بشراء البيتين وتأمل أن يخاطب الحكومة العثمانية، إلّا أن كل محاولاتها باءت بالفشل عندما وصل لها بريد من أميركا يأمرها بنسيان البيتين وعدم قدرتهم التدخل لدى السلطان.

في كتابها الماتع الصراحة والجميل "سلاطين بني عثمان" تصف ماري باتريك الحياة الاجتماعية في الدولة العثمانية وحياة خمسة سلاطين عاصرتهم خلال إقامتها في إسطنبول، والقارئ يلاحظ شدة هجومها على السلطان عبد الحميد دون البقية كما تلصق به اتهامات وفرضيات أساءت لنفسها عندما كتبت بهذا الأسلوب الوديع، ومن هذا التهم:
"أن السلطان لم يُدخل الكهرباء لأنه خاف منها لتشابه اسم الدينمو والدينميت". سذاجة مُضحكة من ماري أن تقبل بكتابه مثل هذا الكلام، والمعروف أن السلطان في عهده دخلت الكهرباء إلى قصره أولاً وسائر المدن مثل دمشق والمدينة المنورة.

لذلك يجب على القارئ فهم خلفية مؤلف أي كتاب يريد قراءته قبل أن ينقل منه أي معلومة. فيصبح شريكا في تزوير التاريخ بسبب جهله. لذلك نحن نحتاج إلى اهتمام حكومي في دعم دراسة التاريخ ضمن أسلوب علمي بحت، لكي نستطيع تقييم تلك الكتب الضخمة بالمئات ونستخلص منها الصحيح مما يساعد في بناء تاريخنا السليم الذي هو أساس هويتنا الحضارية.