غربة طالب علم

blogs - reading
الحياة في سكن الجامعة
كثيراً ما يعتقد الناس أن الحياة في سكن الجامعة تعني الرفاهيةً المطلقة؛ فتحلو أيامك ويصفو مزاجك وتزدهر حياتك، فيحدث أن نكون خارجين من امتحانٍ مجهد بعد ليلةٍ عاصفة وعلامةٍ مزرية! ليتلقفك أحدهم ويلقي عليك بدلاً من السلام الجملة التي اعتدت على سماعها آلاف المرات: "نيالك ما انت راجع عالسكن". أنتَ هنا لا تكثر الحديث ولا التبرير وتمضي في أمان الله متثاقل الخطوات نحوَ غرفتك في السكن، تَصِلُ وتجدُ نفسكَ ملقياً جسدك الذي أبلته تلك الليلة دونَ رفيقٍ في السهر، ولا يدٍ تربِّتُ على بأسِك فتُعلي همّتَك.

العديد من الأكواب الورقية ملقاةٌ على مكتبك الذي تعجَزُ عن ترتيبه في حالتك تلك، تنظر للساعة فإذا بها الخامسة مساءً، هذا موعِدُ كوب الشاي العائلي لكن للأسف لا كوبَ شاي عائلي في السكن ولا حتى بعضٌا من الدفء. تتصفّح رسائل العائلة فَتضُجُّ الرّوحُ بِمزيدٍ من الحنين المُعبَّأ في زجاجات بعضها للحُب وأخرى للشوق والكثير الكثير من الأمل المنغرس على بوابّةِ العودةِ بالشهادة الجامعية، تمسِك هاتفك وتضبط المنبه على موعد الدواء، وتضَعُ رأسَك على الوسادة علَّ عيناك تغفو على غفلة من دماغك كثير الكَلِم!

تنظر حولك لغرفتك الفوضية، وكأنَّ مصارعةَ ثيرانٍ أقيمت فيها بالأمس! تأخذ شهيقاً، وإذ بالهاتف يرن، ألو أهلا أهلا ماما لا بأس بي، ادعي لي الله بالتوفيق يا أمي، تسمع دعوات أمك فترمم شيئاً من ألمك.

هنا يَصل صديقك الذي يغبطُك على السكن إلى منزله، يفتح أحدُ أفراد عائلته الباب ويقابله بابتسامة قائلاً: شو كيف كان الامتحان؟ يضعُ صديقك همومه كلها جانبا مع أجواء المنزل الدافئة ويسرع متجهاً نحو المطبخ ليتفقد أواني الطعام التي تفوحُ طيباً من أول الحَيْ، هنا تأتي والدته متلهفةً تقبِّلُه وتفيض عليه بدعواتها فتجلو عن صدره الحزن قائلةً: "روح يا امّي عالصالة هلا بسكبلك الأكل" يتجه للصالة ليجَد المدفئة مشتعلة، يجلسُ بجانبها مع والده، يخبره عن سوء المواصلات وكفّيه اللذان تجمدا من برودة الجو، تصِلُ أمه حاملةً صينية الطعام: حطيتلك من المخلل اللي بتحبه وهَي الطبيخ بصحن لحال وكثرتلك المرقة مثل ما طلبت، كُل كُل رمم عضمك.

 ينهمُ الطعامَ نهماً ثمَّ يأتيه أخوه الصغير متسائلاً بخجلٍ وجرأة في الوقت ذاته: شو جبتلي معك؟ يردد أبيه بِصَخَب: ابعد عن أخوك جاي تعبان! يضحك هُوَ ويخرج من حقيبته قرطاس الحلوى المفضل عند أخيه ويعطيه إياه، ينقضُّ ذاك الصغير المشاكس على قرطاس الحلوى ويحتضن أخيه بكل ما أوتيَ من الفرح ويقبله: ششكراً ششكراً! ثمَّ يسأله ملاعباً له: قديش بتحبني؟ ليردَّ الصغيرُ ببراءة: قد هيك ويفتح يديه لأقصى مسافة ممكنة.

و هنا يرنُّ منبهك على موعد حبة الدواء، تستقيظ وتبحث حولك عن أيِّ شيءٍ تأكله ليخفف من وطأة الدواء على معدتك، تقعُ عينك على علبة المعمول التي أرسلتها أمك لك، تفتحها وتشتم رائحة أناملٍ غاليةٍ عليك في كل حبة من تلك العلبة، تأكل واحدة وتتذكر أمك وهي تعبئ لك العلبة وكأنها علمت أنك ستمرُّ بأوقاتٍ كتلك تعجز فيها عن صنع خبزةٍ محشوةٍ بالجبن! تبتلع الدواء وتعود لتستلقي.

تستذكر امتحانَ الغد وكم في نفسك من خيبات بعد امتحان هذا الصباح الموحش، تنكسر على عتبة اليأس وتسقط دمعتك، تنظر حولك لغرفتك الفوضية وكأنَّ مصارعةَ ثيرانٍ أقيمت فيها بالأمس! تأخذ شهيقاً، وإذ بالهاتف يرن ألو أهلا أهلا ماما لا بأس به ادعي لي الله بالتوفيق يا أمي، تسمع دعوات أمك فترمم شيئاً من ألمك وتنهض لتطبق وصيتها لك قبل أن تقفل السماعة: قوم اتوضا وصليلك ركعتين. وبالفعل تفعل، فتقف ب باب الواحد الأحد وتناجيه بكلٍ رجاءٍ وخضوعٍ وحب! ومن ثمَّ تقوم فرداً قوياً لا يُعجِزُك شيء! لا شيء أبداً!! مستعداً لمواصلة المسيرِ بعزمٍ لم يسبق له مثيل.

يدخل صديقك لغرفته فيجدها مرتبّةً ومبهرجة وذاتُ معطرٍ عذب يستلقي وينادي أمه: يما صحيني كمان ساعتين عندي امتحان بكرا فتردُّ أمه: نام يما الله يرضى عليك ويوفقك يا رب. ومنبه الأم لا يخيبُ أبداً! فمحالٌ أن تنسى إيقاظك! قد تجدها نعسةً جالسة في الصالة ترقُبُ موعد استيقاظك لتضمن أنك استيقظت! وبالفعل توقظه أمه وتعدُّ له كوب القهوة وتضعُ بجانبه بعضاً من البسكويت أو حلوى أعدتها خصيصاً له. تدعو له وما أن تَهُمُّ بالرحيل تتذَّكر قائلةً: ااه صحيح هاي الكفوف أبوك راح اشترالك اياهم وقاللي أتأكد إنك أخدتهم قبل ما تطلع عالجامعة.

نعم يا صاحبي! هنيئاً لي لأني أقطُن في سكنِ الجامعة، صدقني أنني أحياناً أغبط نفسي على ما أنا فيه! الحمدلله الذي رزقنا القدرة كي نكمل المسير وإلا لكان الفشلُ ذريعا منذ زمن!