شعار قسم مدونات

أفلاطون العرب

blogs - كتب قديمة
على الرغم من عمق فجوة التاريخ الفاصلة بين عهد صياغة الفكر الأفلاطوني العائد للقرن الرابع قبل الميلاد وبين العصور الحديثة، إلا أن الزخم الفكري المنبثق عن مؤلفاته خلال تلك الفترة أثّر بشكلٍ جوهريٍ في صياغة الفكر الغربي الذي بدأت معالمه تتشكّل بصيغته الحديثة بعد اندثار الإمبراطورية الإغريقية، وبعيد اضمحلال إمبراطورية روما في أوروبا. ارتكزت البنية الفكرية الغربية الحديثة بشكل حثيث على آراء مفكرين اعتمدوا إنشاء حركات إحياءٍ للفكر الأفلاطوني من أمثال المذهب الأفلاطوني الجديد الذي تبناه بعض مفكري العصور الوسطى وعصر النهضة وبدايات عصر التنوير، كما ورواد الفكر الحديث في القرن العشرين.

لكن لماذا أفلاطون تحديداً؟ في الفكر الأفلاطوني مزايا أيديلوجية جعلته مركزاً للحضارة الغربية. يقوم الفكر الأفلاطوني على تعظيم دور العقل في صراعه مع كل ما هو لاعقلاني. يُصَنِّف الخير ضمن ما هو عقلاني لارتباطه بالرغبات الإيجابية والمُتعة الأخلاقية للبشر، ويَصِف الشر باللاعقلاني. الشر يتمثّل بانعدام الضمير الإنساني وما يتبعه من تنحية العقل ووأد التعاطف مع الآخرين، وبالتالي يؤدي إلى إحداث خلل في التوازن الكوني القائم على تسيير الأمور بما يحقق مصالح المجموعة لا الفرد. من هنا يأتي تصنيف أفلاطون لما هو شخصي تحت اللاعقلانيات في مقابل ما هو جماعي عقلاني.

الدفع نحو قرارات وأعمال تخدم الصالح العام يحقق العدالة التي تُصَنَّف أفلاطونياً أيضاً ضمن ما هو عقلاني، خلافاً للظُلم الذي يَنتُج عن تغليب المصلحة الفردية على العامة عندما يغيب العقل والضمير الإنساني. هنا تكمن أحد نقاط تفوق الفكر الغربي. تمكَّن العالم الغربي من ردم الهوَّةِ بين الفرد والجماعة بعد أن عانى ما عانه في العصور المظلمة من سيطرة الأفراد على الجماعات ضمن سطوات سلطاتٍ عدةٍ من ضمنها الدين. لا أحاول أن أقدم النموذج الغربي على أنه مثالي وبلا هفوات، لكن النموذج الرسمي العربي في هذا الخصوص يدعونا للتمهل والتأمل.

لا أذكر عدد المرات التي تكررت فيها على شاشات قنواتنا العربية قصة الرجل الذي جمع أبناءه عندما دنى أجله وناولهم العصي مجتمعةً فعصى عليهم كسرها لاتحادها. كم سردنا من قصصٍ وأمثلةٍ وعبرٍ للترويج والدعاية؟!!

بينما يستمتع المشاهد الغربي في تقليب قنوات شاشته بين سحر أفلام هوليوود وإثارة ثورات الربيع العربي والألعاب النارية التي تؤديها القنابل فوق المدن العربية، وفي الوقت الذي يتلذذُ المتابع الاقتصادي في أوروبا بهبوط قيمة صرف العملات العربية أمام عملته الوطنية، وفي حين يتابع السياسي الألماني والفرنسي والبريطاني بحماسةٍ من بُعد تَمدُّد المتطرفين وتغلغل الفاسدين في الوطن العربي وحركة التهجير من دول الصراع العربي، لا يحصل المواطن العربي الموجود في قلب هذه الأحداث إلاَّ على الحرق والهدم والتشرُّد والجوع والفقر والبتر والقتل. بالرغم من أن هموم العربيِّ متنوعةٌ ما بين إيجاد مأمنٍ من الصواريخ المتهاوية على مدينته، أو من القمع ومنع الرأي في دولته، أو من ضيق الحال وتَغوّل الفساد في بلده، إلا أن السبب في كل مصائب العرب هو غياب سُلطةِ أفلاطون العرب الذي يُقدِّم مصلحة الجماعة على مصلحة الأفراد الموجودين في السُلطة.

قد نلحظ في بعض نماذج العالم العربي القائم تمرداً على أساسه الإسلامي الذي قام على تعاليم الرسول محمد عليه السلام. ففي حين أن رواية أحمد وأبو داود تُبَلِّغ قول الرسول الأمين أنَّ "النَّاسُ شُرَكَاءُ فِي ثَلَاثٍ: فِي الْكَلَأِ، وَالْمَاءِ، وَالنَّارِ"، نَجِدُ أننا لا نشترك بها إلا بقدرِ ما ندفَعُ من نقودٍ لشركات الكهرباء والماء والنفط والغاز ولجمارك ومستوردي الأغذية التي عجزت الدول العربية عن تأمينها محلياً. أكبر المستفيدين من هذه القطاعات هم مدراؤها ومجالسها الإدارية وكبار موظفيها، الذين غالباً لا ينظرون لهذه الخدمات من باب المشاركة والمصلحة العامة، ولكن من منظور المنفعة الشخصية وتعظيم الأرباح حتى ولو بطرقٍ متعرِّجةٍ يرضون بها القلة من ذوي النفوذ على حساب الكثرة المسحوقة.

يصادف شهر جمادى الأولى الحالي ذكرى غزوة مؤتة التي سطَّر صحابة رسول الله لنا فيها قصصا ومبادئا جليلة. لكننا بسبب جهلنا وزيغنا تَرَكنا سيرتهم الزاخرة بالحِكَمِ والعِبَر وتفرَّغنا لإثارة نعراتٍ طائفيةٍ خبيثةٍ قرنّاها بهم رغماً عنهم. في القصة المعروفة عن هذه الغزوة، وبعد استشهاد زيد وجعفر وابن رواحه، أخذ الراية الصحابي ثابت بن أقرم لينقذ الموقف. كانت الفرصة سانحةً له لأن يصبح محطّاً لأنظار المقاتلين حوله بصفته قائداً لجيش المسلمين، لكنه ما فكَّرَ بشخصهِ وإنما بجماعة المسلمين فدفعها إلى خالد بن الوليد قائلاً له: "أنت أعلم بالقتال مني". تقودني هذه القصة لاستحضار نموذج الحكومة الكندية التي نراها تتجلى في تشكيلةٍ وزاريةٍ فتيةٍ تعتمد اختصاص الوزير وكفاءته، تاركةً لنا من مقولتنا العربية الشهيرة "الرجل المناسب في المكان المناسب" كلماتٍ تصدَحُ بها حناجرٌ عربيةٌ اعتلت كلَّ مكانٍ فيه ضِرعٌ حالبٌ للغنائم والنفوذ، وبعدما أنهكت كل الأماكن بدأت تبحث عن الشخص المناسب لِتُجري له الاختبارات وتُعلِن رسوبه وفشله لتحطيمِ معنوياتهِ وتبديدِ طاقاتهِ حتى لا يبقى من ينافسها على امتلاك حصصها من الغنائم.

لا أذكر عدد المرات التي تكررت فيها على شاشات قنواتنا العربية قصة الرجل الذي جمع أبناءه عندما دنى أجله وناولهم العصي مجتمعةً فعصى عليهم كسرها لاتحادها. كم سردنا من قصصٍ وأمثلةٍ وعبرٍ للترويج والدعاية. يكاد العصر العربي الحديث يخلو من أي اسمٍ لحضارةٍ تذكرها الأجيال القادمة بسبب الزيف الذي يعترينا. نتباهى بقدرتنا على حرب الألسُنِ والإسكاتِ فيما بيننا، ونبقى نبررُ فسادنا وسوء إدارتنا وجشعنا وحب السيطرة على كل نفيسٍ ونعتبر أن الأمر انتهى إذا ما اقتنع الآخر ببراءتنا رغم كوننا لصوصا. ذلك بوضوح يهدم الدول والحضارات ولكننا لا نريد أن نعيَ ما يزعجنا ويفسد علينا الهدر والسرقة والتعدّي على ما هو للجماعة. لقد قامت حضارة الإغريق في السابق على إيمان الجماعة بخرافة الآلهة، بينما نرفض نحن وحي السماء ونَرُدُّ ما جاء فيه بعدم اتباعه ونحلُم في آخر المطاف بأن نبني دولاً قويةً تصمدُ أمام الحضارة الغربية المدنية التي قدَّمت مصلحة الشعوب على الأشخاص. يا لِكِبرِنا وجهلنا، نحترف صناعة الخرافة لنهزأ بها بأنفسنا!