مواهبنا ليست سلعة للإعلام والمؤسسات

blogs - talented gaza
نتفتّحُ على هذه الأرضِ بذورًا غضّة، تشق طريقها في الحياة، وتكابد طويلًا كي تلتقط نفسًا تضمنُ من خلاله أن تعيش، ولا تدفن مع الموتى كرقمٍ صامت لم يتحرك ولم يُحرّك، بالرغم من جفاف التربة وانعدام المقوّمات اللازمة كي تبث الخصوبة لهذه البذرة، إلا أن هناك مجموعةٌ لا بأس بها من المبدعين والموهوبين يخلقون الخصوبة بطريقةٍ ما فيبدعون ويدهشون بعد كَبَدٍ وكدحٍ طويل وشاقَ، ويصلون إلى ثغرة نور، هذه الثغرة التي وإن كانت صغيرة إلا أنّها مدفوعٌ لقاءها أثمانٌ وأثمان، إذ نبتت وأزهرت في أرضٍ جرداء من اللاشيء، حتى غدت هي وقريناتها من الكادحات بضع زهرات متناثرة يرشّون العطر ويطيّبون هذا الجوّ المغبرّ، خطوةً فخطوة وشيئًا فشيئًا يستطيعون أن يصلوا إلى مبلغٍ ومكان لا بأس به.

هُنا تتذكرهم الأرض، وهنا -عند هذه النقطة- تأتيهم المؤسسات وكاميرات الإعلام من كلّ حدبٍ وصوب، بحيث تكتظّ جداولهم باللقاءات والمقابلات، والاستضافات في هذه المؤسسة أو تلك، هذا – التذكّر – وهذا الاهتمام في هذا الوقت بعد فترة الكدحِ الطويلة المبذولة من صاحب البذرة لم يأتِ عبثًا.
 
مرحلة الإزهار لكلّ مبدع هي مرحلة مهمة وفارقة في مساره، إذ من خلالها يستطيع أن يحدد الماهية التي سيستمر عليها، ويستطيع أن يقرّر إذا ما سيختار الحفاظ على وزن محتواه وثقل مضمونه، أم سيحرقهما تحت وطأة الضوء.

للأسف! وصلنا إلى هذه المرحلةِ التي ننسى فيها الدور الحقيقيّ لوسائط الإعلام، ولكاميراته، والمسؤولية الحقيقية الواقعة على عاتق المؤسسات ومحطّات الرعاية المفترضة، بحيث أن البذور الغضة الطرية التي من المفترض أن يتم رعايتها ودعمها وتغذيتها أتمّ تغذية أصبحت مهملة مُلقاةً على هوامش الطرق.

حتى إذا ما استطاعتْ شقّ طريقها وسط كل هذه الظروف المقفرة، فأينعت وأثمرت وأصبحت نموذج نجاحٍ مُشْرق رأيتَ كلّ هؤلاء يتهافتون إليها ويسعَون لالتقاط صورة لها، الكتابة عنها بعناوين مزخرفة، أو استضافتها في رحاب مؤسساتهم العريضة، لا لشيء إلا لكي يستظلون بظل الشجرة التي عاش المبدع عمره وهو يحرث الأرض ويجدّ ويزرع، أو كي يصعدوا على أكتافه، يصنعوا نجاحهم من نجاحاته، ويروّجوا ويتحدثوا ويفاخروا على هذا الاسم الذي لم يدركوا البتة أنه نزف دمه وعمره قبل أن يصل إلى نقطة نور.

أما إذا كانت وسائط إعلام، فروتينٌ محفوظ: يُسلّط الضوء على هذا الاسم الذي أينع وتألق، بحيث يصل المتابع إلى مرحلة من المراحل التي يملُّ فيها هذا الوجه المكرّر فيلفظه ويقلب عنه، ليعود المبدع هنا ويدفع الثمن مرة أخرى، إذ حرقته وسائط الإعلام تحت ضوئها، فأضحى وجهةً مكررة مملة، أو ربّما أصابته أضواؤها بالعمى فخسر كلّ شيء بناه وكدّ فيه، وأضحى سنبلةً خاوية فارغة المحتوى.

إن مرحلة الإزهار لكلّ مبدع هي مرحلة مهمة وفارقة في مساره، إذ من خلالها يستطيع أن يحدد الماهية التي سيستمر عليها، ويستطيع أن يقرّر إذا ما سيختار الحفاظ على وزن محتواه وثقل مضمونه، أم سيحرقهما تحت وطأة الضوء. وعلى صعيدي: فإني أرى أن الأمر يحتاجُ رؤيةً ناضجة، وأن الأمر كلّه أيها الموهوب تحت حكمك وبيديك، وأعارض جدًا أن يسمح المبدع لأي جهة كانت أن تصعد على أكتافِ نجاحه، أو أن تستخدم اسمه لأغراضها، يمكنْ أن تكون العلاقة تكافلية بحيث تستطيع الجهة أن تستخدم وهجَ اسمه في مقابل أن تمنحه طاقةَ نورٍ إضافية، أو رعاية أو تعزيز له في صعوده مراحل السلّم.

في ذات الوقت، ليس المقصود إغلاق الأبواب على الإعلامِ بالتمام، بل افتحها بحكمة، لكن في الوقتِ الذي تريدُه أنت وفي المرحلةِ التي تكون لصالحك أنت كأولويةٍ أولى، وبحيث تمدّك بشيءٍ من نور يلزمك لإتمام الطريق، كُن ذكيًّا، أنت هو الغارس والمؤثّر فاحرص على أن يكون وراء كلّ ومضة ضوء تختارها مخرجًا وقيمة حقيقة تضافُ إلى كفّتك أو تكون شعلة لآخرين لم يشقّوا طريقهم بعد.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.


إعلان