قبل أن تضيع الثورة

blogs - ضد الثورة
ما بعد هزيمة حلب ليس كقبلها، وربّما يكون أيضًا ما بعد مؤتمر أستانة ليس كقبله. الكلّ في حالة قلق من المجهول، ولا أحد ينكر أنّ الثورة في حالة حرجة لما يتعرضها من تهديدات ومخاطر، والأصوات تزداد ارتفاعًا عن ضرورة القيام بمراجعات عميقة، بل إنّ الكثير منها ينادي بثورة على الثورة.

إنّ ظاهرة الحديث عن الأمراض في الأزمات؛ ظاهرة صحّية إنّ تمّ توجيهها بما يخدم عملية اكتشاف المرض للبحث عن العلاج المناسب له، حيث إنّ الأول مقدمة منطقية للثاني. وفي هذا السياق؛ فإن هناك انطباع عام يقول إنّ أبرز مشكلات الثورة السورية هي قيمية، بمعنى أن هناك اختلالات وأمراض أصابت منظومة قيم الثورة السورية.

وتجدر الإشارة إلى أنّه في سياق الحديث عن الثورات فإن "القيم" عبارة يزداد تردادها، فجميع الثورات تبرّر قيامها بالقيم التي تحملها، ولا يكاد يتجاوز تشخيص للمشكلات وأسبابها وسبل علاجها من دون التطرق إلى موضوع القيم.

ومن هنا تأتي أهمية الحديث عن موضوع القيم، وسيتناول المقال الاختلالات القيمية من بعد واحد وهو البعد التكويني، وما هو الخلل في القيم المكونة للثورة السورية؟
إنّني ممن يتبنّى مقولة "القيم حصن الأمم والمجمتعات"، وأرى أنّها من السلّمات التي لا تحتاج إلى براهين واستدلالات، ولكن سؤالًا قد يرد في هذا السياق:
ما هي القيم الأمّ التي تحصن الأمم والمجتمعات من الاختراق وتحميها من الانهيار، وتحافظ الأمم والمجتمعات بوجود هذه القيم على وجودها وازدهارها؟

لا أدري كم أكون مصيبًا إن قلت: إنّ الأمان والحرية والعدل والكرامة هي القيم الكبرى التي تحصّن الأمم والمجتمعات، وتجعلها منيعة ومحمية من الاختراقات؟ ربمّا يناسب هذه القيم مسمّى: "القيم الحصن للأمم والمجتمعات"، وأجد أن بدهية هذه القاعدة تغني عن الاستدلال لها.

الشعب السوري كان يعيش حالة من وهم الأمان، إلا أنّ ممثلي الثورة والناطقين باسمها في معظمهم لم يهتموا بهذه القيمة "الأمان"، ولم يبدوا احترامًا لها.

ورغم أهمية منظومة القيم الحصن لاستقرار الأمم والمجتمعات، إلّا أنني أذهب إلى القول إلى أنّ المحرك الأساسي لقيام الثورات في التاريخ هو اختلال إحدى القيم الثلاث "الحرية والعدل والكرامة"، وربّما تكون هذه القيم هي ما تفتقده جميع الشعوب المحكومة بأنظمة مستبدّة، وأمّا الأمان فدومًا يكون الذريعة لتغوّل السلطات الحاكمة في حياة الشعوب، والتضييق على حرياتهم، وإيقاع الظلم والإذلال بها. وبناءً على ذلك فغالبًا ما يكون الظلم والاستبداد والاستعبداد هو في أولوية الأسباب المفجّرة للثورات.

من الطبيعي في بداية تفجّر الثورات أن يكون هناك تحدٍّ للأمان، فلا يمكن تصوّر تفجّر ثورة من دون تحدٍّ للأمان، وهذا ما يشفع للثورات في مراحلها الأولى، بأن تضحّي بالأمان المزيف، ولكنّ أيّ ثورةٍ إنْ لم تضع في جوهر رؤيتها الوصول إلى حالة الاستقرار والأمان الحقيقي، فستتحول إلى فوضى مدمّرة، وستترك أبناءها يفتك بعضهم ببعض، وهناك شواهد في تاريخ الأمم المندثرة، ويشهد لنا أيضًا النماذج المعاصرة كالصومال وأفغانستان وغيرهما…

إنّ "قيمة الأمان" هي مرساة التثبيت التي تحتاجها الثورات أثناء سيرها، وتحتاج في محطّة ما أن تعيد صياغة نفسها من جديد، وتبلور رؤية للاستقرار، وتوجه بوصلتها تجاهها.

وأمّا عن أسباب تفجّر الثورة السورية فمهما قيل من آراء، فإنّ اختلال منظومة القيم الحصن في سورية لا ينكرها إلا جاهل أو مغرض، فقد عانى السوريون طيلة عقود طويلة من غيابٍ شبه تامٍ لثلاثة من مكونات القيم الحصن وهي (العدل والحرية والكرامة)، وهذا إن لم ندرج معها أيضًا "الأمان"، إلا أنّ غالبية الشعب السوري كان راضيًا إلى حدّ ما عن المستوى المتاح له من الأمان، رغم إدراكه لمدى هشاشته، وأنّه مستخدم كذريعة لقمع الحريات وإذلال الناس حتى تتمكن الفئة الحاكمة من الحفاظ على مقاليد الحكم في سورية.

لقد أعلتْ الثورة السورية من شأن "العدل والحرية والكرامة"، وأصبحت محور جميع شعاراتها وبياناتها، ورغم أن الشعب السوري كان يعيش حالة من وهم "الأمان"، إلا أنّ ممثلي الثورة والناطقين باسمها في معظمهم -من وجهة نظري- لم يهتموا بهذه القيمة "الأمان"، ولم يبدوا احترامًا لها من خلال تصريحاتهم ومواقفهم وتصرفاتهم، وقد تجلّى ذلك بعمليات التصنيف والإقصاء لكل من حكمته قيمة "الأمان" ولو كان منكرًا لما يراه من ظلم وإجرام بقلبه، وربّما وصل الأمر إلى الاتهام بالعمالة أو الخيانة.

إنّ الأمان هو أحد مراسي التثبيت التي تحتاج الثورة السورية أن تطلقها الآن قبل أن تضيع، وحتى ترسو في مينائها، وتجدّد نفسها، وتبلور رؤيتها، وتوجه بوصلتها نحو غاياتها.

إنّ جوهر الصراع والانقسام الحاصل في المجتمع السوري –من وجهة نظري- هو انقسام قيمي، فلو شخصنّا القيم الحاكمة لمن يطلق عليهم (حاضنة النظام) فسنجد أن قيمة الأمان هي القيمة الحاكمة، وأن الخوف من البطش والإجرام هو المانع لانضمامهم لثورة الحرية والكرامة، مع وجود قيم أخرى عند بعض الشرائح تتعلق بالاقتصاد أو غيره. وأما المنتمين للثورة وحاضنتها الاختيارية فإنّ قيم الحرية والكرامة والعدل هي الحاكمة لتوجهاتهم واختياراتهم، وقد يخلط كثيرون بين الاختلاف في الرأي والاختلاف في القيم، فهناك فرق كبير بين الحالتين، فإن صحّت مقولة المفكر والفيلسوف المصري الدكتور أحمد لطفي السيد في أنّ "الاختلاف في الرأي لا يفسد للود قضية"، فإنها لن تصحّ في القيم حيث إنّ "الاختلاف في القيم غالبًا ما يفسد الودّ والقضيّة".

إنّ الثورة السورية اليوم تمرّ بمرحلة حرجة جدًّا، ومن قمّة السذاجة أنْ يدّعي أحدٌ أنّ بيده مفاتيح الحل في قضية تاهت وتتيه فيها سياسات دول، ولكن هذا لا يمنع من المساهمة في تقديم رؤىً تشكّل تراكمًا معرفيًا في هذا الاتجاه، وخاصة في القضايا المجتمعية التي تهمّ الجميع.

بناء على التشيخص السابق لظاهرة اختلال المنظومة القيمية للثورة السورية من حيث التكوين، وكيف أنّ الغفلة عن "قيمة الأمان" وغيابها من اعتبارات معظم المنتسبين للثورة السورية كان من جملة العوامل التي أدت إلى حرف الثورة عن مسارها، ولا بد لها إن أرادت أن تنضج وترشد من أن تستكمل نفسها باستراداد قيمتها المفقودة ألا وهي "الأمان"، بحيث تتحرك وفق منظومة قيمية جديدة في جميع تحركاتها الحالية والقادمة، بعد بلورة خارطة مصالح الشعب السوري، فإن هذا الاستدراك سيعيد لها ألقها وإشراقها وسيجعل قلوب السوريين تلتف حولها، ولا بدّ لها من أن تعيد بناء نماذجها وهياكلها وتصنيفاتها بناء على المنظومة المطوّرة "قيم الحصن الأربعة"، من دون التفريط في أي قيمة منها، وإلا فإن أمامنا أحد أمرين: إما العودة إلى حظيرة الاستبداد والطغيان، أو البقاء في نموذج الصوملة والأفغنة لا قدّر الله.

إنّ "الأمان" هو أحد مراسي التثبيت التي تحتاج الثورة السورية أن تطلقها الآن قبل أن تضيع، وحتى ترسو في مينائها، وتجدّد نفسها، وتبلور رؤيتها، وتوجه بوصلتها نحو غاياتها.

إنّ منظومة "القيم الحصن" تُعتبرّ أسسًا متينة لقضية السوريين العادلة، وإنهم كما واجهوا يومًا "أمانًا وهميًا زائفًا، فإنّه ينبغي عليهم أن يفقوا في وجه أي نوع من أنواع الزيف والوهم، وأن لا يقعوا في أوهام العدل أو الحرية أو االكرامة الزائفة.

ولا أجد خيارًا لأي أمّة تريد أن تبقى محترمة تحت الشمس؛ إلّا أن يجتمع أبناؤها على بناء ركائز حصنهم، وأن لا يتركوها محلّ نزاع بينهم، فإن النزاع فيها يعني الدمار والموت، وأختم بمقولتي المعهودة في هذا السياق: "إن كان الاختلاف في الرأي لا يفسد للودّ قضية، فإن الاختلاف في القيم الحصن يفسد الودّ والقضية".