سيدة الدولاب!

blogs - الحجاب

بوسي هو اسمها أو هكذا أخبرتنا، تحب الحلوى حد الجنون، تعبر الشارع مسرعة ثم تتوقف فجأة هكذا بلا سبب معلنة أنها معجبة بلون الشارع الداكن، كاذبة تعشق اختلاق القصص الوهمية عن علاقاتها الواسعة، عن رحلاتها، عن نفوذ والداها، وعن ذاك الزائر لنافذتها كل مساء!

"اشتغل على نفسك وابسطها " هكذا كانت ترتب بوسي بعثرتها كل صباح، إما بهدية قد أعدتها لنفسها مسبقاً أو بضمة طويلة يزهر لها قلبها، أو أن تعترف بحبها لنفسها أمام المرأة واهبةً إياها ابتسامة " صباحاتي الفارغة منك باردة.. أحبك نجلاء". العجيب أنها كانت تندهش بهديتها لنفسها، تتلقاها في كل مرة بدهشة طفل، تفتحها وهي تقفز عالياً راكله بقلبها الفراغ، وكل المساءات المالحة التي تتناوب على إجهاض روحها، وهي تغني أغنية طويلة تشبهها وحدها!
 

دهشتها، عبثها، قلبها، روحها، تناقضها، عباءتها، دولابها، وشعرها المصبوغ. زهرات بيضاء، تسقيها نجلاء كل صباح حتى لا تذبل روحها المزهرة بها! تباغتنا كل صباح بتنورتها القصيرة وإيشاربها الملون الذي ينحسر عن شعرها المصبوغ قليلاً، مغرمة هي بنفسها، عاشقة لذاتها، تقول أنها معجبة بكونها هي وهذا يكفي، لا تحتاج إلى رجل يكملها، ولا تهتم لثرثرت زميلاتها عنها فهي واثقة بنفسها، تعرف اتجاه قبلتها جيداً.
 

ليتها تعلم أنها في عباءتها الفضفاضة ملكة وأن الشرف كل الشرف في التشبه بأمهات المؤمنين وأن تنورتها القصيرة ليست هي الحضارة.

أوشك يومنا الدراسي على الانتهاء، ها هي ذي تسرع إلى مكان ما تتخلص فيه من صخب تنورتها القصيرة مستبدلة إياها بعباءة طويلة سوداء، أما عن إيشاربها الملون فقد استبدله بآخر أسود يغطي شعرها كله، كل الفتيات يثرثرن عنها وعن عباءتها السوداء، سألتها ذات مرة عن سر تبديلها لملابسها قبل رحيلها مباشرة، أخبرتني أن والدها محافظ جداً، وأنها تحتفظ بملابسها التي تحب بدولابها الشخصي بالجامعة، الذي تزوره كل صباح لتستبدل نجلاء الهادئة ببوسي الصاخبة.

أخبرتها بأنها في عباءتها أجمل وأروع، أتهمتني بالغباء والرجعية والتخلف وأني لا أواكب العصر بلحيتي تلك المبعثرة علي وجهي ونظارتي الكبيرة ذات الإطار البني العريض، أقف مندهشاً أمام جرأتها في كثير من الأشياء، تنورتها القصيرة، خصلات شعرها المصبوغ، شعورها العميق أن ما تفعله هو الصواب وأنها لم تخلق لتكون فتاة عادية لتعد وجبة ساخنة لكائنها اللزج صاحب الكرش الذي يتكأ عليه وهو يشاهد التلفاز، عجيب أمرها لقد اختزلت الزواج في "سروال وفانيله" وكرش يُتكأُ عليه، الزواج يا آنستي الحالمة شيء رائع، حلم كل فتاة أن تكتمل برجل يحبها وتحبه، بسمات طفل لا تمل قربه. تقاطعني في حدة، يا سيدي أنت حالم، واهم، متحذلق، غبي، فارغ الرأس، متعفن العقل، كل هذا دفعة واحد في شخص واحد!
 

أتساءل كثيراً، لمَ نحن هكذا نخاف أن نواجه الناس بأفكارنا بكل جراءة، مهما بدت لهم غريبة أو حتى عارية، مادامت هي أفكارنا وقناعاتنا التي نؤمن بها حد الالتصاق بأروحنا فلمَ الخوف؟ ليتها تعلم أنها في عباءتها الفضفاضة ملكة وأن الشرف كل الشرف في التشبه بأمهات المؤمنين وأن تنورتها القصيرة ليست هي الحضارة وأن قطعة قماش تكشف للناظرين أكثر مما تستر، ليست هي الحجاب الذي فرضه الله على العفيفات.. ليتها تعلم.
 

لكن نجلاء حبيسة دولابها الصغير المكتظ بالتنانير القصيرة، أهذي هذه الأيام كثيراً، أثرثر دون ملل، أفكاري تتحرك صعوداً وهبوطاً داخل رأسي دون توقف، فقط هي تلتقط أنفاسها ثم تعود لصعودها اليومي، ترى هل ما زالت سيدة الدولاب تستبدل عباءتها السوداء بتنورتها القصيرة كل صباح؟!