تقنية محو الذكريات المؤلمة!

blogs - puzzle
لا شيء يرهق الدماغ ويدمره أكثر من الذكريات المريرة الموجعة، تلك التي تحفر عميقاً في الجمجمة تستوطن الرأس والفكر والعقل ترفض المغادرة تبقى في أذهاننا مضطجعة، ما من أحدٍ منا معصوم من هذا الاستيطان المؤلم للذكريات المأساوية، وكثيرون هم من عصفت بهم مواقف مؤلمة بصورةٍ فوضوية، فالذاكرة تدعّي النسيان في كثير من الأحيان، مع أنها تتألم غارقة في بحر من الأحزان، فقدراتنا على تجاوز مرارة الأيام مختلفة، وقوتنا على الوقوف بثبات أمام أعاصير الذكريات متأرجحة، البعض منا رُزِق بنعمة النسيان، والآخر متورطٌ بالتناسي الكاذب المزعوم، ذاك الذي يُقيّد الإنسان بغمامة سوداء وهموم، ذاك الذي يوهم المرء أنه قام بمسح الذكريات الأليمة من رأسه للأبد، ليسلّط أضواء ذاكرته عليها بين الفينة والأخرى ويجعل روحه المرهقة تعيش في تعاسة وكبد.

يتمنى أحدنا لو يصيبه مرض الزهايمر لتُمسح كل المآسي من ذاكرته المنكوبة، مع أنَّ هذا المرض البشع سيجعله ينسى ذكريات جميلة ومحبوبة، ربما هو يتمنى فقط لكن وعلى صعيد آخر هناك علماء لا يؤمنون بالتأمل والتمني دون عمل، فيواظبون على اكتشاف كل ما هو عجيب للبشرية، حيث توصّل فريق من الخبراء إلى تقنية جديدة يمكن من خلالها محو الذكريات السيئة من الدماغ! ففي دراسة حديثة أجريت على الفئران اكتشف الخبراء أنه يمكن مسح ذكريات محددة من الدماغ، وترك الذكريات الأخرى سليمة، حيث وجدت الملايين من خلايا المخ المرتبطة بالذكريات السيئة، ونقلت صحيفة ميرور البريطانية عن البروفيسور شينا جوسلين قوله: (هذه النتائج تقدم دليلاً من حيث المبدأ أن العلاج لا يحتاج إلى أن يؤثر على الجسم أو الدماغ بأكمله).

واستهدف الخبراء أدمغة الفئران في المختبر كيميائياً، من خلال إنتاج بروتين بشكل مفرط في الدماغ، الأمر الذي يساهم في إثارة الخلايا العصبية التي تنتج الذكريات السيئة، وأوضح الفريق أن هذه التقنية يمكن أن تساعد الأشخاص الذين يعانون من اضطرابات ما بعد الصدمة، مثل الناجيات من الاغتصاب أو الجنود العائدين من الحروب، بالإضافة إلى أنه يمكن حذف الخلايا العصبية المرتبطة بالإدمان على المخدرات!

البعض منا رُزِق بنعمة النسيان، والآخر متورطٌ بالتناسي الكاذب المزعوم، ذاك الذي يُقيّد الإنسان بغمامة سوداء وهموم، ذاك الذي يوهم المرء أنه قام بمسح الذكريات الأليمة من رأسه للأبد!

لا أعلم إذا كانت هذه التقنية مهمة أو لا! ولا أدري مدى نجاحها في السيطرة على حقول الألغام المؤلمة التي زُرِعت في رؤوسنا، هل يحب علينا أن ننسى فعلاً كل الأحزان التي أرهقت أدمغتنا وقلوبنا؟ هل يجب على جدتي أن تنسى لحظة سرق اليهود بيتها في جنين؟ هل يتحتم عليها أن تنسى احتلال فلسطين؟ هل يجب أن يعشق السوري خيمته الجديدة؟ وينسى بلاده التي مزقتها الحروب الشديدة؟ أينسى الغني فقره وحاجته في بداية حياته؟ فيتكبر بعدها ويتباهى بماله ومدخراته؟ هل ينسى النائب شعبه الذي أوصله لأهم المراكز؟ فيتمادى على عرشه متغافلاً عن متطلبات جمهوره بشكلٍ غير جائز؟ 

أتنسى العفيفة من تحرّش بها واغتصب طهارتها؟ أم يجب أن تذكره أبد الدهر لتلاحقه بالقانون وتطارده بالثورة على وحشيته وتزغرد للعدالة إن ناصرتها؟! أتنسى المطلقّة أسباب فشل زواجها الأول؟ أم تظل على ذكراه لتتعلم من تجربتها وتقف دوماً على الأسباب حتى لا يقع الخطأ ويتكرر؟ أيجب أن ينسى المرء وفاة أحد أحبابه؟ أم واجبٌ عليه أن يذكره دوماً في صلاته وسجوده ودعائه؟ من الذي يجب أن ينسى؟ وماذا عليه أن ينسى؟ ومتى يصبح لزاماً عليه أن ينسى…؟!

بالغ هؤلاء الخبراء في اكتشافاتهم العبقرية، فليس كل ما يبتكرونه يصلح للبشرية، نحن الذين نحدد ما الذي يجب أن ننساه وما الذي يجب أن نتذكره! نسيان بعض الأحداث والمواقف غير الأخلاقية من الغير مفيدٌ لصحتنا وراحة بالنا، أما الأوطان لا تُنسى، ولا يركنها على رفوف الإهمال سوى الخَوَن، والشهيد لا يُنسى ليدفع العدو على هدره دمائه أغلى ثمن، وزرع الفتنة في بلادنا عملٌ قذرٌ لا يُنسى إذ كان السبب في نكبات أوطاننا وغمسها في المحن، فباللهِ عليكم يا علماء اتركوا في ذاكرتنا أشلاء أوطاننا الممزقة عسانا نفرح بنصرها وعودتنا إلى أحضانها بعد زمن!