شعار قسم مدونات

العراق بيضة القبان في المنطقة والعالم

blogs-داعش

يعطي الباحثون الاستراتيجيون أهمية كبرى لما يُسمى بالأرض الأم أو الحيز الحضاري من التاريخ، حيث نشأت كبرى الحضارات العالمية، وقد شكلت هذه المنطقة الفضاء العام للصراع بين المحور الأمريكي وحلفائه من جهة، وبين المحور الروسي وحلفائه من جهة أخرى، وقد اتفق الباحثون على ان العراق هو جزء من هذا القلب، وثمة من رأى انه يمثل قلب القلب.

ولذا يمكن النظر الى العراق بمنزلة راحة الكف التي تمتد إليها الأصابع، إذا طعنت هذه الراحة فان الأذى والخدر سينتقل إلى الأصابع، ومنها إلى بقية الجسم، فالعراق بهذا المعنى تطال تداعياته أقصى أطراف الدنيا.

وقد رأينا في الاحتلال الأمريكي للعراق ما يؤكد ذلك، فقد أدى عدم استقرار العراق إلى ارباك الوضع الأمني في العالم، وتعرضت البسيطة كلها إلى الاهتزاز، والوقوف أمام مجهول.

فإيران على سبيل المثال استطاعت ومن خلال وضع العراق ان تقطع شوطا في برنامجها النووي، وستبقى مستغلة للوضع في العراق مادام على هذه الحال حتى تبلغ غايتها في الحصول على السلاح النووي، والوصول من ثم إلى قمم الدول الكبرى لتدخل شريكا أكبر في الخليج، وفي التحكم بمجريات السياسة العالمية.
 

إبقاء العراق بهذه الفوضى سيقود في النتيجة إلى وضع لا تحمد عقباه، لان المآلات ـ بحسب كل المؤشرات ـ ستكون اشبه بالمركبة المنحدرة من علو، وقد فقد سائقها السيطرة على المكابح، لا يدري أحد أين ستقف.

التنظيمات الأصولية تنامت بشكل ملفت للنظر، بعد 2003م واستغلت الفوضى في العراق لتجعل منه ممرا لها في تحقيق أهدافها المرسومة، واستطاعت من خلال ذلك أن تطال أماكن في العالم، لم يكن بمقدورها سابقا الوصول إليها، فضربت لندن ومدريد وباريس ونيس ونيويورك والخبر واستنبول وغير ذلك، بل استطاعت ان تؤسس لها دولة في كل من سوريا والعراق، وتتسبب في هجرة مئات الألوف الى أوربا والعالم، ولا أحد يستطيع أن يتكهن بالتداعيات المستقبلية إذا ظل العراق بهذا الحال المضطرب.

إن إبقاء العراق بهذه الفوضى سيقود في النتيجة إلى وضع لا تحمد عقباه، لان المآلات ـ بحسب كل المؤشرات ـ ستكون اشبه بالمركبة المنحدرة من علو، وقد فقد سائقها السيطرة على المكابح، لا يدري أحد أين ستقف.

يجب ان ندرك حقيقة مهمة، وألّا نسمح لأنفسنا بتجاهلها، أو التعالي عليها، وهي ان العراق كان عبر تاريخه نقطة التوازن في المنطقة والعالم، وسيبقى كذلك إلى الأبد.

الموقع الجغرافي لهذا البلد حساس للغاية، فهو من جانب أرض للخيرات، (ويكفيه دجلة والفرات، وخصوبة الأرض، والنفط مؤخرا)، فكان دائما مطمعا لمن حوله، وهو من جانب آخر، يقع بين ثلاث حضارات: الإيرانية، بما لها من عمق فارسي، والتركية بما لها من عمق سلجوقي وعثماني، والعربية بما لها من عمق أيضا.

وعبر التاريخ كان العراق يستهدف من قبل القوى العظمى التي حوله، فظل ـ على سبيل المثال ـ لفترة طويلة ساحة صراع بين بلاد فارس والروم، تارة تغلب فارس وتارة تغلب الروم، ولكن في الحالين كان الخلل يصيب المنطقة حال استهدافه، ويطيش ميزانها، فلا يهدأ لها بال، حتى تعود بيضة القبان إلى محلها، أي حتى يخرج العراق من قبضة النفوذ الخارجي، والولايات المتحدة الامريكية حين قررت غزو العراق، واعتماده منطلقا لتقسيم المنطقة، والهيمنة عليها، استعانت بإيران ذات الحضارة الفارسية، وحتى تستكمل فرص النجاح، اضطرت أن تعطي إيران مساحة غير قليلة من النفوذ في العراق.

وإيران ليست سهلة، فأجادت لعبة الدور، وبدأت تستغل الظروف لتهيمن على كل شيء في العراق، وهنا وجد الامريكيون أنفسهم في ورطة، فهم سمحوا بالنفوذ الإيراني في العراق، ليعينهم على تحقيق أهدافهم من الاحتلال، ولكن هذا النفوذ تجاوز دون شك كل حساباتهم، وبدأوا يحسون بخطورة هذا الوضع على مصالحهم في المنطقة، حتى قال وزير الخارجية الاسبق هنري كيسنجر قبل خمس سنوات تقريبا: (في حالة سيطرة المتطرفين من الجانب الشيعي واصبح الطرف الشيعي المتسيد على السنة والاكراد ومناطقهم وتطورت العلاقة مع ايران فاننا سنشاهد انحرافا جذريا في التوازن الاستراتيجي في المنطقة وهو ما ساهم الامريكيون بجزء منه).
 

ستجد أمريكا نفسها يوما أنها أمام نفوذ جديد يتعاظم، ويخرج على السيطرة أيضا، لكنه هذه المرة تركي، وفي كل الأحوال ستضيف إلى عراق المستقبل مأزقا آخر.

ودفعا لهذا الخطر، وفي سبيل إصلاح الأمر تحاول الولايات المتحدة الامريكية اليوم أن تعطي إذنا لتركيا بشيء من النفوذ من أجل خلق توازن ضروري، وهذه الخطوة ـ تكتيكيا ـ مجدية، مع تعاظم النفوذ الإيراني، وهيمنته على معظم المفاصل، ولكنها بالمحصلة خطوة فرضتها حسابات خاطئة سابقة، ولم تكن حلقة ضمن خطة استراتيجية محكمة، وفي تقديري ستجد أمريكا نفسها يوما أنها أمام نفوذ جديد يتعاظم، ويخرج على السيطرة أيضا، لكنه هذه المرة تركي، وفي كل الأحوال ستضيف إلى عراق المستقبل مأزقا آخر.
 

واليوم تدور في بعض كواليس الدول الغربية طروحات أخرى للمعالجة لمرحلة ما بعد تنظيم الدولة، يبدو انها مهرب لهذه الدول من هذ المأزق، ولكنه في الحقيقة سقطة في كمين تحفره لنفسها، لأن هذا المهرب بقليل من التأمل، هو ذاته تجذير للمأزق الذي تفر منه، وتطوير لقدراته، ومن ذلك: أطروحة تقسيم العراق إلى أقاليم، سني وشيعي وكردي، على نحو له خواص تتجاوز خواص النظام الفدرالي المعروف عالميا، وفي ظن أصحاب هذه الفكرة أنهم إن فعلوا ذلك سيجعلون من العراق دولة ضعيفة، وسيسهل عليهم الهيمنة على مقدراته، بنفس الطريقة التي هيمن فيها السوريون على لبنان المقسم كذلك، لأكثر من عشرين سنة؛ وهذا وهم فهذا السيناريو مؤداه ان يقسم العراق بين حضارتين ستتنافسان عليه، كما ان ذلك إذا تم سيدفع عنصرا ثالثا إلى الدخول في الصراع القائم من قبل الحضارة الثالثة المحيطة بالعراق، وهي الحضارة العربية، فلن تستمر غفوتها في كل الاحوال، وستعمل بما لها من عمق على إعادة العراق إلى حاضنتها.

وكل هذا يبقي العراق مسرحا للأحداث الجسام، ومن ثم يبقى العراقيون ومعهم المنطقة والعالم يدفعون ثمن ذلك من عدم الاستقرار، وتصاعد وتيرة العنف، والاضطرابات.

وبناء على ذلك فإني أؤكد على أن إخراج العراق من المعادلة الإقليمية، كقوة نسبية هو بمنزلة التلاعب بالجينات الوراثية للمنطقة، وهذا من شانه أن يفرز أوضاعا شاذة، ومفاجآت غير سارة، لا أحد يستطيع التكهن بمآلاتها، ولكنها في كل الأحوال ليست في صالح الجميع.
 

ان الدول التي ساهمت في تدمير العراق، ستجد نفسها يوما مضطرة إلى إعادة بنائه تجنبا للتداعيات الخطيرة، وإقرارا بدوره في تحقيق التوازن كبيضة قبان في المنطقة

وبالتالي فان من مصلحة المجتمع الدولي أن يمنح العراق مهلة لاسترداد الأنفاس، ويسمح له وتحت إشراف جاد بإنشاء دولة مستقلة بحكومة مركزية تتمتع بقدر من القوة، ولكن ضمن إطار التعددية الحزبية، ووفق قانون ناضج للأحزاب يضمن مشاركة جميع المكونات بشكل عادل، ويتجاوز الفكرة التي كانت سائدة في القائد الواحد والحزب الواحد، فهذه السبيل المضمونة لجعل العراق مستقرا وآمنا، والمنسجمة مع طبيعته الجيوسياسية، ويكون سلما لجيرانه والعالم، وبه تحفظ حدود العراق من الاختراقات، ولا يكون ممرا سهلا لأصحاب الأجندة، وهذا مؤداه بطبيعة الحال تحقيق الاستقرار للجميع، أما الإدارة الامريكية الجديدة، فلم ينجم عنها أي تصور في هذا الصدد حتى الآن، مع وجود افتراضات بأنها ستتجاوز أخطاء من سبقها، في التخطيط لمنطقة الشرق الأوسط.
 

وفي كل الأحوال لدي حدس ان الدول التي ساهمت في تدمير العراق كدولة ذات حكومة مركزية ستجد نفسها يوما مضطرة إلى إعادة بنائه كذلك، تجنبا للتداعيات الخطيرة، وإقرارا بدوره في تحقيق التوازن كبيضة قبان في المنطقة والعالم.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.