أيها اللاجئون.. لا تقبلوا اعتذارنا!

blogs - لاجئون
ما أقسى على المرء خسارة كل شيء، وطنه وبيئته التي اعتاد عليها، وعشيرته وأهله الذين يدافعون عنه ويقفون معه وقت الشدة والحوجة، يخرج مهزوما منكسرا ذليلا بلا مأوى ولا ملجأ أو ملاذ وبلا مصدر رزق. لو تخيلنا لوهلة أن ما أصابهم أصابنا – لا سمح الله – ماذا سيكون مصيرنا ونحن نتذوق الجوع مع الغربة، ونتجرع فيها كل صنوف الذل والهوان، وننام على الأرض العارية الصلبة، نتوسد ثنى الساعد في البرد الملعون، ونعاني شظف العيش وقسوة الحياة، لأدركنا حينها خطورة الحال وجدية الجهد المطلوب وآنيته، ولما نتظرنا لتستفحل الأمور، ووقفنا مكتوفي الأيدي متفرجين وعاجزين، نسخط ونستنكر دون القيام بشيء يُذكر في احتواء أزمتهم وتقديم ما يحتاجون له من المساعدات الإنسانية العاجلة، وفتح أبواب قلوبنا لهم قبل بيوتنا وعطفنا عليهم بحكم الجيرة والقربى، ومساندتهم بغض النظر عن توجههم السياسي والإيديولوجي.

لا يدرك الإنسان معنى الذل والخزي والضياع والمهانة وعدم الاستقرار، إلا بعد أن يتذوق عذابات الرحيل ويكابد مواجع الابتعاد، ويعيش اليتم الفعلي حينما يجبر على الرحيل عن وطن كان يعيش فيه وبحبه.

إن ما نشهده اليوم من تدهور الأوضاع الإنسانية، يتطلب موقفا دوليا موحدا، لا سيما من تلك البلدان التي عاصرت العديد من الحروب والثورات عبر تاريخها، أن تتخذ موقفاً حازماً وسريعاً، لوضع حد لتلك الصراعات والأزمات التي طال أمدها، وتوفير الحماية البديلة لهؤلاء اللاجئين والنازحين حتى يتم لم شملهم مع ذويهم، وتقديم الرعاية والحماية الشاملة، وخاصة في مجال الصحة والتعليم داخل المخيمات وخارجها.

العروبة والإسلام، مَحض شعارات رفعها الساسة  وظلت رابحة خلال 60 سنة الماضية. وأنها سببٌ كافٍ لإغلاق جامعة الدول العربية، كونها لم تعد أكثر من هيكل ضخم بيروقراطي.

دائما الضحايا هم الشعوب المغلوبة على أمرها، ضحايا الحرية والطائفية والديكتاتورية، حيث يشاع فيها الفساد والاستبداد والتخلف والفقر والبطالة، وغدا بأسها بينها شديداً، فطمع فيها كل طامع، وسامها عدوها سوء العذاب، مزقها شر ممزق، وغزاها في عقر دارها، وزرع فيها جسماً سراطانياً يفتك بخلاياها، وسلط على شعوبها أنظمة جمعت بين السلطة والثروة، فسلطت أجهزتها وأدوات قمعها على شعوبها، تذل رقابها، وتنهب ثرواتها.

لم يكن لجوء هؤلاء إلى دول الجوار وأوروبا، رحلة مفروشة بالورود والياسمين، إذ عانى هؤلاء الكثير قبل أن يثبتوا أقدامهم في بلدان الانتشار، ولا سيما من يحملون معهم أطفالهم ونساءهم وكبارهم، فضلا عن أن وجودهم الحالي يلاقي الكثير من الصعوبات والمعاناة في بعض البلدان. فالانسلاخ عن الوطن بحد ذاته ليس أمرا سهلا، وهو بالتالي لم يأت نتيجة ترف من اللاجئين، بل بفعل أوضاع سياسية واجتماعية واقتصادية صعبة.

واجهتهم مخاطر كثيرة، تحملوا شتّى أنواع العقبات من تعديات وإهانات وإغلاق الأبواب في وجوههم وكأنهم كلاب ضالة،إنه عالم ساحر يأسف لمن يغوص في أعماقه لحالنا كبشر وكعرب، وعارٌ على كل عربي، وعلى كل مسلم. أعني فقط الذين لا يزالون يعرفون منهم الفارق بين العزة والعار، إنسانيتهم لم تتحرك لموت مئات الآلاف من المضطهدين في شتى بقاع الوطن العربي على مدى سنوات.

وهذا الأمر مؤشر يؤكد أن العروبة والإسلام، هما مَحض شعارات خادعة رفعها الساسة والحُكّام كتجارة ظلت رابحة خلال الستين سنة الماضية. وأنها سببٌ كافٍ لإغلاق ما يُسمى جامعة الدول العربية، كونها لم تعد أكثر من هيكل ضخم بيروقراطي، يستنزف خزائن الشعوب، وينفخ جيوب القادة العرب، لم تعد هذه الجامعة عاجزة فحسب، بل قناة وأداة لخراب العالم العربي، إنها لا تعدو أن تكون حانة الحفاظ على مصالح الحكام العرب.

أيهما أولى؟! أن تصرف ملايين الدولارات على تنظيم المهرجانات السنوية وإحياء السهرات الغنائية، والحفلات والاستقبالات؟ أم بناء دار للأيتام أو إقامة مستشفى للسرطان أو بنك طعام للفقراء.

وإن ما ينفقه العرب على التفاهات والأمور السطحية من مخدرات ودعارة بأشكالها المتعددة، الحسية والفكرية والفنية والسياسية، يكفي لإيواء هؤلاء اللاجئين الذين صار الموت منقذاً لهم من العذاب وجحيم البلاد العربية المنكوبة، يضمن لهم حياة كريمة ومستقرة تليق بإنسانيتهم، لكن افتقدنا الرحمة والأخوة، ومعنى الأشقاء والدم والدين وتفضيلنا أن نمنطق الأشياء والقرارات كما تحلو لمصالحنا، يؤدي إلى سقوط الإنسانية وضياعها في متاهات توحش الإنسان وانغماسه في عالم بلا أخلاق أو مبادئ بعد أن جرفته لعبة الكراسي، وأغوته حتى كادت ثقافة الموت والاغتيالات وعمليات التصفية الجسدية تتحول إلى طريق ثالث للسلطة، وبالتالي نسيان واجباتنا الإنسانية الضرورية تجاههم.

فإنفاق المسلمين لأموال طائلة في بناء المساجد وتنظيم رحلات الحج والعمرة، تعبيرا عن حالة التدين المتصاعدة، وتجسيدا لمفهوم العبادة التي اختزلت – للأسف – في هذا الجانب دون غيره. يكفي لسد حاجات اللاجئين في كل المجالات ولتغطية احتياجات المخيمات من معدات وخدمات. وكأن الله بحاجة إلى كل هذه المساجد في وقت يعيش غالبية اللاجئين في البلدان العربية في ظروف قاسية جداً في الكرفانات والخيم الرثة والبائسة، لا تحميهم من حر الصيف ولا من برد الشتاء، أليس هؤلاء الضحايا الذين أنهكهم الإيجار والجوع، أولى بالمال الذي يتم تبذيره اليوم على بناء المساجد؟ ثم هل كثرة المساجد دليل على إقبال الناس على الصلاة والتدين في هذه البلدان؟

أيهما أولى؟! أن تصرف ملايين الدولارات على تنظيم المهرجانات السنوية وإحياء السهرات الغنائية، والحفلات والاستقبالات؟ أم بناء دار للأيتام أو إقامة مستشفى للسرطان أو بنك طعام للفقراء، وتعليم طالب فقير أو سد عوز أسرة مستورة، أو مساعدة شاب على الزواج أو غير ذلك من أبواب الخير التي يحتاجها مجتمعنا، ما فائدة الكلام مع الذين لا يعلمون أن الله غني عن العالمين؟!

يا ليتني مت قبل هذا وكنت نسياً منسياً، فالموت في زمن الذل والعار والفتن راحة..