أن تكون أباً لا يعني أن تتحول إلى إنسان آخر مختلفا كلياً عما أنت عليه، ولكن يعني أن يكون لحياتك معنى آخر -وأي معنى- تضيفه إلى المعاني السابقة، وغاية أخرى تسعى خلفها تضاف إلى غاياتك الأصلية.
طفلك هو الجزء الوحيد الذي بمقدورك أن تفصله عن جسمك لا عن روحك ويبقى مع ذلك حياً، وتظل تنظر إليه وتتعامل معه على أنه جزء منك، بل أغلى من أشرف أعضائك، وتراقبه أمام عينك وهو ينمو ويكبر وينضج وينتقل من مرحلة إلى أخرى، ليصل إلى المرحلة التي أنت عليها، وربما تفوق عليك وأنت بذلك أسعد.
منذ أن وُهبت طفلتي شام تغيرت في حياتي أشياء كثيرة، ليست المشاغل والالتزامات والأعباء أهمها، إنما تلك الروح الجديدة التي باتت تتدفق في عروقي وأنا أمارس كل طقوس الحياة.
أراقب كل حركة من حركاتها، ابتسامتها وبكاءها، رضاعها وشبعها، هدوءها وتنهداتها وجميع ردات فعلها، تجبرني على العيش معها في جميع تفاصيل حياتها اليومية وأنا في كل ذلك تائه بين التعجب والدهشة والرضا والامتنان للواهب المنان.
أن تكون أباً يعني أن تتأمل في مساحة جديدة وفسيحة تضاف إلى قائمة تأملاتك، وربما تفضلها بكثرة أسرارها وتشعباتها وجاذبيتها. إذ تتأمل في الفروق الهائلة بينك كإنسان بالغ وبين الطفل ذي الشهر والشهرين، فتكتشف أنه لا يقل عنك بشرية ولا حيوية ولا عنفواناً ولا ذكاء، فهو مزود بكل ما تتطلبه الطبيعة البشرية من شعور حسي وإدراك عقلي للتعلم ومراكمة المعلومات وإجراء المقارنات والتوصل لاستنتاجات، إلا أن ذاكرته تمتلك من المدخلات مقدار صفر، وتحتاج وقتاً لمراكمتها عبر تكرار المعاينة والشعور وتنوع الصور والأحوال، ومن ثم بناء الصور الذهنية الأولية عن الأشياء من حول هذا الكائن الحي الجديد.
| الأبوة في حقيقة الأمر ليست أمراً عادياً، هي بالأحرى معنى خارج المألوف، هي إطلالة على جوانية الإنسان ونافذة نحو حقيقة انتمائه الأبدي إلى عالم لا مادي تسمو فيه المعاني على الكلمات، وتحضر الروح وتفنى العبارات. |
تأسرني تلك اللغة التي تخاطبني بها طفلتي وتخاطب أمها، فنفهمها ونفهم ما تريده غالباً، وهي بدورها تبدأ بفهمنا خلال شهور قليلة، تلك اللغة التي لا تتألف من الكلمات والحروف بل من شعورين حادين لا يعرف الطفل بداية أمره سواهما، الرضا والسخط، فإذا ما شعر بالرضا ابتسم أو أوشك على الابتسام، وإذا ما سخط بكى وناح دون كلل أو ملل، وتدريجياً تنقسم مشاعره وتتكاثر وتتفرع عن هذين الشعورين الرئيسين؛ فيصبح البكاء متعدد الصيغ ولكل حاجة في نفس الطفل، كالجوع والألم والحر والتبرز مثلاً، صيغة مختلفة يعتادها إلى أن يستحدث لها صيغة جديدة مع تعمق وعيه بحاجاته وتشعبها.
منذ اليوم الأول لولادة شام انتباني شعور عارم بالسرور ليس لأنني صرت سبباً في وجود كائن حي غيري في هذه الحياة، سيكون جزءاً مني ورهين حضانتي وتربيتي له، بل لأنني حظيت لأول مرة بفرصة التماس المباشر مع جوهر الحياة وفاعليتها وانعكاس إرادة الخالق فيها بنواميسه وسنته، ولن تجد لسنته تبديلاً.
أن تكون أباً يعني أن تلج عالماً محفوفاً بالمسؤولية وكذلك بالمعاناة والأعباء، ولكن يعني أيضاً أن تمتلك نافذة جديدة إلى تحقيق ذاتك التي تسعى لها وإرضاء ربك في رعاية أمانته التي حملك إياها، وبعد كل ذلك يعني أن تمتلك صديقاً صدوقاً، مفعماً بالعاطفة نحوك، لكنه، وهذا هو الأهم، مجردٌ في نظرته إليك – قبل أن تطال فطرته بد التشويه على الأقل – من شوائب النفعية العارضة التي تشوب عادة حتى علاقات أقرب الأقرباء. إذا ابتسمت لي شام ابتسمت لها روحي كلها، وإذا فهمت لها حاجة حَرُمت علي الراحة حتى أتأكد من قضاء حاجتها، ليس ذلك، في بعض وجوهه، إلا لاستحضار الذهن والقلب تلقائياً حالة التجرد تلك، التي لا يكاد يوجد مثلها إلا في نظرة الأبوين إلى أطفالهما، وهو تكرار يفسر نفسه بنفسه.
عندما أمعن في تأمل طفلتي شام وسلوكها والدروس التي أتلقفها من هذا التأمل أدرك أنها تعلمني بنفس القدر الذي تتعلمه مني ومن أمها وربما أكثر، ويسعدني ذلك الإحساس بأني لست مجرد أب يحب أطفاله يفرح لفرحهم ويُطعن في قلبه لحزنهم، بل شخص يحاول أن يتعلم ويستكشف أسرار الحياة وعلاقة الناس بعضهم ببعض من خلال التأمل في أطفاله.
من الطبيعي بمكان أن يتزوج المرء وينجب أطفالاً ويمارس كل طقوس الحياة البشرية، فيكون زوجاً وأباً، ولكن الأبوة في حقيقة الأمر ليست أمراً عادياً، هي بالأحرى معنى خارج المألوف، هي إطلالة على جوانية الإنسان ونافذة نحو حقيقة انتمائه الأبدي إلى عالم لا مادي تسمو فيه المعاني على الكلمات، وتحضر الروح وتفنى العبارات، هناك حيث الباري خالق كل شيء ومدبر الأمور ومحصي الذرات.
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

